بعد قرار رئيس الوزراء صرف بدل غلاء المعيشة بنسبة 20% .. لقمة النازح بين مقصلة الاستثناء والقرارات الجائرة.. من يسرق قوت الموظفين النازحين؟
في الوقت الذي تعصف فيه الأزمات الاقتصادية بمعيشة المواطن، وتلتهم الحرب والأوضاع المعيشية الأخضر واليابس، جاء قرار مجلس الوزراء الأخير باعتماد بدل غلاء معيشة بنسبة 20% لجميع موظفي الدولة. خطوة قد يراها البعض محاولة لترميم رواتب فقدت قيمتها الشرائية، لكنها بالنسبة للموظف النازح تعيد فتح جرح قديم لم يندمل؛ جرح الإقصاء والتهميش والتمييز الممنهج.
وتأتي هذه العلاوة الجديدة بعد أن أقدمت الحكومة السابقة على إسقاط بدل غلاء المعيشة السابق، والمقدر بنسبة 30%، عن الموظفين النازحين دون غيرهم، في سابقة خطيرة عكست تعامل بعض الجهات التنفيذية مع هذه الفئة المنكوبة وكأنها “موظفون من الدرجة الثانية”، أو مجرد عبء مالي يمكن شطب حقوقه بجرة قلم.
واليوم يقف الموظف النازح أمام تساؤل مشروع ومؤلم: هل تشملنا نسبة الـ20% الجديدة، أم أن ساطور الاستثناء سيعود مجددًا لبتر حقوقنا كما حدث سابقًا؟
عقلية الجباية والهروب من المسؤولية
حين نبحث في دهاليز الوزارات والمؤسسات المعنية عن مبررات إسقاط حقوق النازحين، لا نجد سوى عقلية إدارية مرتبكة وفقيرة في رؤيتها الإنسانية والوطنية. فالمسؤول الذي يبرر حرمان موظف شُرد من منزله، وفقد استقراره، وتحمل مرارة النزوح والتهجير، يكشف حجم القصور في فهمه لمعنى المسؤولية العامة.
هؤلاء لا يرون في الموظف النازح إنسانًا يعيل أسرة ويعيش ظروفًا استثنائية، بل مجرد رقم في كشوفات مالية يسعون إلى شطبه لتقليل النفقات وإظهار بطولات وهمية أمام جهات القرار، على حساب لقمة عيش المستضعفين.
سقوط أخلاقي وإنساني
إن تعمد ظلم الموظف النازح وتجريده من حقوقه ومستحقاته القانونية تحت أي ذريعة، لا يمثل مجرد خلل إداري، بل سقوطًا أخلاقيًا وإنسانيًا مدويًا، ويعكس عقلية بيروقراطية متحجرة تفتقر لأبسط معايير العدالة والمسؤولية الوطنية.
حقوق مشروعة وليست صدقة
الرواتب والبدلات ليست منّة من مسؤول، وليست مكرمة تُمنح وتُسحب وفق الأهواء والمزاج الشخصي. الموظف النازح موظف رسمي بقوة القانون والدستور، وله كامل الحقوق والواجبات.
وكان إسقاط بدل الـ30% وصمة سوداء في سجل الإدارة السابقة، وأي تكرار لهذا السيناريو مع علاوة الـ20% الحالية سيشكل ضربة جديدة لما تبقى من ثقة بين الموظف النازح ومؤسسات الدولة.
كما أن محاولة بعض المسؤولين فرض شروط تعجيزية أو تقديم تفسيرات ملتوية للقرارات الحكومية بهدف حرمان النازحين من بدل غلاء المعيشة، يعرّي زيف الشعارات التي تتحدث عن العدالة ورعاية المواطنين.
أسئلة مشروعة بانتظار الإجابة
ويضع هذا الملف مجلس الوزراء والجهات المعنية أمام مسؤولياتهم المباشرة:
- هل توجد توجيهات واضحة وصريحة تمنع أي تلاعب أو اجتهاد شخصي من قبل الجهات المالية والإدارية لضمان وصول نسبة الـ20% لجميع الموظفين النازحين دون استثناء؟
- ما المبرر القانوني والأخلاقي الذي استندت إليه الجهات المعنية سابقًا لإسقاط بدل الـ30% عن النازحين؟ وهل توجد نية لتعويضهم عن ذلك الإجحاف؟
- إلى متى سيظل الموظف النازح رهينة لأمزجة مسؤولين يفتقرون للحس الإنساني، ويرون في النازحين الحلقة الأضعف والأسهل للاستهداف؟
كفى عبثًا بأقوات الناس
الأيام المقبلة ستكشف حقيقة موقف الجهات التنفيذية الحالية؛ فإما أن تثبت أنها حكومة لكل المواطنين دون تمييز، وتضع حدًا لأي ممارسات إقصائية بحق الموظفين النازحين، وإما أن تعيد إنتاج سياسة الظلم ذاتها بصورة جديدة.
لقد بلغ الاحتقان مداه، ولم يعد لدى الموظف النازح ما يخسره. وأي محاولة لإسقاط العلاوة الجديدة عنهم لن تمر بصمت، وستبقى الصحافة الحرة تلاحق كل من يتورط في العبث بحقوق الناس أو التلاعب بأقواتهم تحت أي مبرر.