أحمد علي عبدالله صالح .. حينما شخص "الداء" ووصف "الدواء

منذ 52 دقيقة
مشاركة الخبر:

في كلمته إلى أبناء الشعب اليمني في الداخل والخارج بمناسبة العيد الـ36 للوحدة اليمنية في 22 مايو، جدد أحمد علي عبدالله صالح، نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام، عهده مع اليمنيين بدعوته التي لم تتغير منذ سنوات: الاصطفاف الوطني، ونبذ الفرقة، والعمل على الحفاظ على الوحدة المباركة باعتبارها أعظم منجز وطني وأحد أهم أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر. وفي لحظة يعيش فيها اليمن واحدة من أخطر مراحله التاريخية، بدا الخطاب وكأنه محاولة لإيقاظ الوعي الوطني قبل فوات الأوان.

ومرة أخرى، يضع أحمد علي يده على الجرح مباشرة، حين شخّص “الداء” ووصف “الدواء” بوضوح لافت، محذرًا من “المنزلق الخطر” الذي تمر به اليمن، ومن “الهوة التي اتسعت” بفعل الحرب التي قذفت إلى السطح مشاريع صغيرة وأحلامًا ضيقة، تلقفها باعة الأوهام بشعارات العودة إلى الماضي، ومحاولات تفصيل أوطان على مقاس الطموحات الشخصية والمصالح الضيقة. وكأن اليمن، الذي دفع أثمانًا باهظة من دمائه ومستقبله، أصبح مهددًا بأن يتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتمزيق الهوية الوطنية.

وهنا، تعود إلى الأذهان كلمات الزعيم الشهيد علي عبدالله صالح، رحمه الله، حين أطلق تحذيره الشهير الذي بدا اليوم أكثر واقعية من أي وقت مضى، عندما قال:
“المساس بالوحدة لن يقسم اليمن إلى شطرين، بل سيتجزأ إلى دويلات متناحرة تتجاوز اتجاهات البوصلة، وحدود جديدة ترسمها البندقية لا الإرادة الشعبية”.

ولم تعد هذه التحذيرات مجرد خطابات سياسية أو مخاوف نظرية، فاليمن في 2026 ليس يمن الأمس، والتجارب المريرة أثبتت أن التشظي لا يقود إلا إلى المجهول. وبينما كان اليمنيون يترقبون اتفاق سلام ينهي سنوات الحرب ويعيد لهم وطنهم المنهك، ظهرت مشاريع مأزومة تحاول فتح أبواب صراعات جديدة، قد تدفع البلاد نحو “حرب لا نهاية لها”؛ حرب طاحنة تلتهم ما تبقى من الدولة والمجتمع، ولا تُبقي لليمنيين سوى الخراب والخوف والمزيد من الشتات.

ومن قلب هذه الأزمة الثقيلة، جدد أحمد علي دعوته الثابتة التي يكررها كل عام، والمتمثلة في التمسك بالوحدة الوطنية، ونبذ الكراهية، والاصطفاف صفًا واحدًا في مواجهة مشاريع التمزق والتفكيك. غير أن هذه الدعوة، في ظل واقع معقد ومتشظٍ، لا يمكن أن تتحقق إلا عبر فتح صفحة وطنية جديدة، قائمة على الحوار الحقيقي والشراكة العادلة، بما يضمن استعادة الدولة والحفاظ على الوحدة اليمنية باعتبارها المظلة الأخيرة التي لا يزال اليمنيون يجتمعون تحتها.

وعلى الجميع أن يدرك أن اليمن يقف اليوم أمام لحظة مفصلية فارقة، وأن الحل لا يكمن في العودة إلى الوراء أو إحياء صراعات الماضي، بل في “تضييق الهوة” بين اليمنيين عبر التفاهم والحوار تحت سقف الجمهورية والوحدة. فالحفاظ على اليمن الموحد لم يعد مجرد شعار سياسي، بل مسؤولية وطنية وتاريخية ترتبط بمصير شعب كامل ومستقبل أجيال قادمة.

أما الخلاصة التي يمكن قراءتها من خطاب أحمد علي، فهي أن “المصالحة الوطنية” لم تعد ترفًا سياسيًا أو خيارًا مؤجلًا، بل أصبحت ضرورة وجودية لإنقاذ البلاد. فلا مخرج حقيقي من هذا النفق إلا بحوار وطني جاد ومسؤول، يحفظ الوحدة باعتبارها “أمانة الأجيال”، ويؤسس لدولة يمنية مستقبلية يتفق عليها الجميع بعيدًا عن الإقصاء والانتقام ومشاريع التشظي.

لأن الوحدة اليمنية ليست مجرد اتفاق سياسي قابل للمساومة أو التراجع، بل صمام الأمان الأخير لحماية الهوية الوطنية ومنع الارتهان للخارج. وعندما تسقط الأوطان في مستنقع الانقسام، تتحول إلى ساحات نفوذ مفتوحة، وتصبح القرارات مرهونة بالعواصم الأجنبية لا بإرادة الشعوب.

وفي النهاية، تبدو المعادلة واضحة وقاسية في آنٍ واحد: إما أن يتصالح اليمنيون ويدركوا أن التاريخ لا يعود إلى الوراء، وأن بناء الوطن لا يكون إلا بالشراكة والتسامح، وإما أن يستمر التشظي حتى تتحول اليمن إلى خرائط ممزقة على طاولات التآمر، ويتناثر الوطن في مهب الريح كما تتناثر حبات الرمل، حتى يصبح جمعها من جديد مهمة شبه مستحيلة.