"ريمة" تحت مقصلة المليشيا الحوثية .. جباية الجوع واستباحة الكرامة في "جبل السحاب"
في هذه المحافظة التي كانت يوماً معزولة بجمالها، صار المواطن يصحو على وقع "إتاوات" تخرج من تحت الأرض لتطارد خبز يومه، وكأن جبالها الوعرة لم تكن كافية لتكبيل حياتهم. صار "الشيخ" و"العاقل" مجرد "محصلي ضرائب" ببدلات رثة، والشباب في نظرهم ليسوا إلا "حطباً" لموقد جبهات لا تذود عن دين ولا وطن.
هنا، حيث يظن المتسلط أن بإمكانه استعباد الريح، يقف أبناء ريمة يراقبون القاع بانتظار شروق لا يشبه سواد ليلهم الحالي، يكتفون بصبر بات يغلي خلف العيون، مدركين أن سدنة الطغيان لا يدركون أن الجبال، وإن صمتت، فهي لا تنسى، وأن "المستباح" ليس دائماً ضحية، بل قد يكون بركاناً في طور التشكل.
شهادات من قلب المعاناة
اغتصبوا أرضنا وكبار السن لا يجدون الاحترام
"أبو علي" (مزارع مسن) قال:
"لقد حولوا مزارعنا التي ورثناها عن أجدادنا إلى ساحات للجباية، يأتي المشرف ليفرض علينا رسوماً تحت مسميات واهية لا علاقة لها لا بالدين ولا بالدولة. كبار السن هنا لا يجدون الاحترام، بل يُهانون في مجالسهم إذا لم يصفقوا لمشاريعهم العبثية، وكأننا في معسكر وليس في وطن.
الأرض التي كانت تطعمنا البن والخير باتت اليوم تُنتزع منا تحت تهديد السلاح أو التخوين، ومن يرفض يُصادر نصيبه من المياه أو يُحرم من أبسط حقوقه. والله إنهم لم يتركوا لنا سوى الحزن، يسرقون ثمار تعبنا ليقيموا بها احتفالاتهم التي لا تنتهي، ونحن نقتات على ما تيسر من فتات الأرض المحرومة".
حولوا شبابنا إلى أرقام في سجلات القتلى
"ياسين" (أب لثلاثة شباب) قال:
"عشنا رعباً لا يوصف حين بدأوا باستدراج شبابنا إلى المعسكرات التجنيدية الإجبارية، يطرقون الأبواب ليلاً ليسحبوا فلذات أكبادنا إلى جبهات لا نعرف أين تنتهي. من يرفض من أبنائنا يُهدد بالاعتقال أو يُمنع من الوظائف المحدودة المتبقية، والأسوأ أنهم يغسلون أدمغتهم بأفكار غريبة عن مجتمعنا الهادئ.
لقد أفرغوا قرانا من طاقاتها، وحولوا الشباب إلى أرقام في سجلات القتلى، تاركين خلفهم عائلات مكسورة لا تجد من يعيلها. لم يعد هناك مستقبل، والبيت الذي كان يمتلئ بالضحك والعمل صار صامتاً يرقب الطرقات خوفاً من عودة المشرف بطلبات جديدة".
نعيش في سجن كبير
"بنت ريمة" (معلمة سابقة) قالت:"لقد طال نهبهم كل شيء، حتى المساعدات الإنسانية والمنح التي كانت تصل للفقراء، يسيطرون عليها ويوزعونها على أتباعهم ومناصريهم. كرامة المواطن في ريمة أصبحت تحت أقدامهم، يفرضون رسوماً على كل حركة وسكنة وكأنهم يمتلكون الهواء الذي نتنفسه. التعليم أصيب بالشلل، والمراكز الصحية باتت خاوية إلا من صورهم وشعاراتهم التي تملأ الجدران وتغطي على جوع الناس.
نحن نعيش في سجن كبير، حيث يراقبك الجميع ويتهمك الجميع بالخيانة إذا طلبت أبسط حقوقك، إنه وضع لا يُطاق في ظل سلطة لا تؤمن إلا بالجبايات والقوة".
ضرائب مضاعفة وتغيير الأسعار وفق هوى المشرف
"حسين" (تاجر محلي) قال:
"تجارتي الصغيرة في السوق أصبحت تدار بإتاوات يومية، إذا لم تدفع المجهود الحربي فأنت معرض للإغلاق أو المصادرة. يفرضون علينا ضرائب مضاعفة، ويغيرون الأسعار وفق هوى المشرف الموجود في المنطقة، مما جعلنا نغرق في ديون لا تنتهي.
لم يعد التاجر في ريمة يملك قراره، بل هو مجرد عامل يجمع الأموال لصالحهم. وإذا سألت عن أين تذهب هذه الأموال، كان الرد الجاهز هو التهديد والوعيد. إنهم يستنزفون دماءنا الاقتصادية، ويحكمون قبضتهم على الأسواق حتى أصبح الحصول على كيس دقيق كأنه معجزة، في حين يراكمون هم الثروات من عرقنا".
كل شيء صار مستباحاً
"سالم" (ناشط حقوقي) قال:
"التغول على الأراضي هو القضية الكبرى؛ فقد وجدوا في غياب القانون فرصة للاستيلاء على أراضي المواطنين بالقوة وتحت مسميات قانونية مزورة. يمارسون بلطجة مقنّعة، يهددون أصحاب الحقوق بسلاحهم، وإذا لجأت للقضاء ستجد القاضي نفسه يعمل لديهم.
لقد صار كل شيء مستباحاً، من خصوصية البيوت إلى أملاك الناس، وسط حالة من الصمت القهري الذي يفرضه الخوف من بطشهم. نحن نعيش حالة من التيه، لكننا نعلم يقيناً أن هذا التغول هو بداية النهاية لهم، فالأرض التي تُظلم أصحابها لا تنبت إلا الكره الذي سيقتلعهم من جذورهم يوماً ما".
خاتمة: الفجر قادم
إلى أبناء ريمة الأحرار، إن ليل القهر مهما طال لا بد أن تنجلي ظلمته بطلوع شمس الحق. إن التحديات التي تعيشونها اليوم، رغم قسوتها، ليست سوى مخاض لمرحلة جديدة، فالتاريخ يخبرنا أن الشعوب التي تعتز بجبالها لا تنحني للعواصف الزائلة.
ثقوا بأن طغيان عصابة الحوثي، رغم جبروته الظاهر، ينهش في جسده من الداخل، وأن نهايته أقرب مما تتخيلون. فما يُبنى على النهب والظلم لا يدوم، والصبر الذي تتحلون به اليوم هو وقود الغد، وسيكون خلاصكم قريباً، فالحرية حق أصيل لا يمكن لأي قوة مهما استبدت أن تصادره إلى الأبد.