النكف القبلي يكشف هشاشة عصابة الحوثي
لم يعد الغضب في المناطق الخاضعة لسيطرة عصابة الحوثي الإرهابية، وكلاء إيران، مجرد رد فعل على تردي الأوضاع المعيشية أو انهيار الخدمات، بل أصبح حالة عامة تتغذى يوماً بعد آخر على تراكم الأزمات، واتساع فجوة الثقة بين المليشيا والمجتمع. فكل أزمة جديدة تكشف حجم الاحتقان الكامن، وتؤكد أن سياسة القبضة الأمنية لم تعد كافية لإخفاء مظاهر السخط الشعبي المتزايد.
وخلال السنوات الماضية، اعتمد الحوثيون على مزيج من القوة العسكرية، والأجهزة القمعية، والتحالفات القبلية، لفرض سيطرتهم على مناطق واسعة. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه المعادلة باتت تواجه تحديات غير مسبوقة، في ظل تصاعد الاتهامات للمليشيا بممارسة القمع، وإدارة الموارد بطريقة عمّقت معاناة المواطنين، وأبقت ملايين اليمنيين تحت وطأة الفقر والأزمات الإنسانية.
وجاءت قضية الشيخ حمد بن فدغم الحزمي لتكشف جانباً أكثر حساسية في المشهد، بعدما تحولت من قضية محلية إلى قضية رأي عام داخل الأوساط القبلية. فقد أثار إعلان "داعي النكف" تضامناً واسعاً، انطلاقاً من المكانة التي تحظى بها قيم الجوار وحماية المستجير في الأعراف القبلية اليمنية، وهي قيم يُنظر إليها باعتبارها خطوطاً حمراء لا يجوز تجاوزها.
ولم يكن لافتاً حجم التضامن القبلي فحسب، بل امتد صداه إلى مناطق أخرى، في مؤشر على أن القضية تجاوزت بعدها الفردي، وأصبحت اختباراً حقيقياً لعلاقة الحوثيين بالقبائل، التي مثّلت طوال سنوات إحدى أهم ركائز نفوذهم. كما أن محاولات احتواء الأزمة، عبر تبني روايات مختلفة أو اتخاذ إجراءات بحق بعض الشخصيات القبلية، عكست حجم القلق من تحول الاحتجاج القبلي إلى موقف أوسع يصعب احتواؤه.
إن أي سلطة تستطيع أن تفرض قراراتها بالقوة لفترة من الزمن، لكنها لا تستطيع أن تفرض القبول الشعبي بالقوة إلى الأبد. فحين تتراكم المظالم، وتزداد الضغوط الاقتصادية، ويشعر المجتمع بأن كرامته وأعرافه أصبحت محل انتهاك، فإن عوامل الاحتقان تتضاعف، وتصبح أكثر قابلية للتحول إلى حراك اجتماعي يصعب التنبؤ بمساره.
واليوم، يبدو أن مليشيا الحوثي تواجه اختباراً مختلفاً عن سابقاته؛ فالتحدي لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح اجتماعياً وقبلياً وشعبياً في آن واحد. وكلما اتسعت دائرة الغضب، وتراجعت قدرة المليشيا على معالجة أسباب الأزمة، ازدادت احتمالات اهتزاز شبكة النفوذ التي بنتها على مدى سنوات.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن المشهد اليمني مرشح لمزيد من التعقيد، ما لم تُعالج جذور الأزمة السياسية والاقتصادية والإنسانية. فالتاريخ يؤكد أن استقرار أي سلطة لا يقوم على القوة وحدها، بل على قدرتها على كسب ثقة المجتمع، واحترام حقوقه، وصون كرامته. وعندما تتآكل هذه الثقة، يصبح الحفاظ على النفوذ أكثر صعوبة، مهما بلغت أدوات السيطرة.