"ميون" .. "القلعة المنسية" في قلب العالم.. حيث يمر الذهب ويظل المواطنون أفقر الناس في الجزيرة

"ميون" .. "القلعة المنسية" في قلب العالم.. حيث يمر الذهب ويظل المواطنون أفقر الناس في الجزيرة
مشاركة الخبر:

بينما تتصارع القوى العظمى، وتترصد البوارج الحربية الأفق، وتتحول مياه مضيق باب المندب إلى ساحة استعراض عضلات دولية، يراقب سكان جزيرة "ميون" المشهد بصمتٍ مريب. هم ليسوا مجرد سكان جزيرة بركانية صخرية، بل هم "حراس القلعة المنسية" الذين شاء القدر أن يضعهم في أكثر بقعة استراتيجية على وجه الأرض، ليحرمهم -بمفارقة كونية عجيبة- من أبسط مقومات الحياة.

جزيرة الذهب.. بفقرٍ مدقع
يُقال في الأمثال إن "من يملك المفتاح يملك القصر"، وميون هي مفتاح العالم؛ فهي تشرف على ممر يمر عبره جزء كبير من تجارة العالم. لكن يبدو أن هذه الأهمية الاستراتيجية لم تنعكس على حياة سكانها، الذين ما زالوا ينتظرون أبسط الخدمات، من مياه صالحة للشرب إلى الكهرباء والرعاية الأساسية.
هنا، في "ميون"، تتلخص الحياة في معادلة سريالية: تعيش فوق كنز جيوسياسي، لكنك تفتش في الصخر عن قطرة ماء صالحة للشرب. السكان الذين يعيشون على وقع هدير محركات السفن العملاقة التي تعبر بجوارهم محمّلةً بمليارات الدولارات، يجدون أنفسهم في نهاية كل يوم يتقاسمون "الملح" مع طعامهم البسيط، وكأن الجغرافيا أرادت تذكيرهم بأنهم حاضرون فقط في الخرائط العسكرية، لا في سجلات المواطنة.

أصوات من قلب العزلة
خلف الشعارات الكبرى، يعيش بشرٌ يصارعون من أجل البقاء. التقينا ببعض أبناء الجزيرة الذين اختصروا بكلماتهم قسوة الواقع:
"لا أستطيع توفير ثمن وقود قاربي لأعود بوجبة عشاء لأطفالي"
سالم (صياد في الخمسين من عمره) قال:"نحن لا نرى السفن التجارية كفرصة اقتصادية، بل نراها خطراً يهدد رزقنا البسيط. أخرج إلى البحر بقاربي الصغير، فأجد المياه ملوثة أحياناً، ولا أجد من يحمي منطقة صيدي من جرف البوارج الحربية. هل يعقل أننا في قلب أهم ممر مائي بالعالم، وأنا لا أستطيع توفير ثمن وقود قاربي لأعود بوجبة عشاء لأطفالي؟"

"أطفالي يسألونني لماذا لا نعيش مثل الناس في المدن"
أم محمد (ربة منزل وأم لأربعة أطفال) تقول:"الماء في ميون قصة حزن أخرى. نعيش على وعود الصهاريج التي تصلنا بين حين وآخر، وإذا انقطع الوقود أو ساءت الأمواج، نصبح بلا شربة ماء. أطفالي يسألونني لماذا لا نعيش مثل الناس في المدن، ولماذا لا توجد مدرسة مجهزة أو مستوصف لا يغلق أبوابه عند غروب الشمس؟ لا أجد لهم جواباً سوى الصمت."

"الجزيرة هي أغلى قطعة أرض في اليمن، ومع ذلك نحن أكثر الناس فقراً واحتياجاً"
خالد (شاب طموح يحاول البحث عن عمل) قال:"نحن جيل الإنترنت، لكننا نعيش في العصر الحجري. شحن هاتف محمول أصبح معركة يومية لنا. الجزيرة هي أغلى قطعة أرض في اليمن، ومع ذلك نحن أكثر الناس فقراً واحتياجاً. نشعر أننا موجودون فقط كـ(إحداثيات) على خرائط الأجانب، بينما نحن كبشر غير مرئيين في سجلات المسؤولين في عدن أو صنعاء."

التواجد العسكري: "حماية السفن" لا "حماية البشر"
يستيقظ المواطن الميوني على ضجيج البوارج الحربية التي تقطع الأفق، ليشعر بـ"الأمن" الذي توفره القوى الدولية لحركة التجارة، بينما يفتقد أطفاله لأبسط الحقوق في التعليم الجيد والرعاية الصحية.
أصبح التواجد العسكري بمثابة "السياج الشائك" الذي يحيط بحياة الناس؛ يراقبون من بعيد سيادةً منقوصة وتنافساً على النفوذ، بينما لا يجد الصياد البسيط من يسأله عن حاله.
لقد تحولت الجزيرة من وطنٍ للإنسان إلى "منصة رصد"، حيث يهتم العالم بجغرافيا المكان، ويغض الطرف عن وجع الساكن.

"ميون".. المفارقة الصارخة
تخيل أن الحديث لا يتوقف عن "السيادة" و"الممرات المائية"، بينما الجزيرة التي تمنح هذه السيادة تعاني من:
- عطشٍ مزمن: حيث تُنقل المياه عبر "البوزات" التي تصل بمزاجية الطقس.
- ظلامٍ دامس: لا كهرباء إلا في ذاكرة كبار السن أو في أحلام الشباب.
- تعليمٍ متهالك: مدارس خاوية، كأن الطالب الميوني يُعاقب على كونه يعيش في هذه النقطة الاستراتيجية.
إنها كوميديا سوداء؛ ففي الوقت الذي تتنافس فيه التقارير الدولية على وصف "أهمية ميون"، يعيش أهلها حياةً بدائيةً تكاد تعيدهم إلى عصور ما قبل الكهرباء.

خاتمة: الملح الذي لن ننساه
بينما يتبادل السياسيون الاتهامات، ويستعرضون خرائط النفوذ، يظل أهل ميون هم "الضحية الأكثر أناقة" في هذه الجغرافيا المعقدة.
إنهم لا يطالبون بنصيب من ذهب العالم الذي يمر أمام نوافذهم، بل يطالبون فقط بأن تعترف بهم "الدولة" كمواطنين، لا كقطع ديكور صخرية في منتصف المضيق.
وحتى ذلك الحين، سيظل الملح سيد المائدة، وستظل الجزيرة "القلعة المنسية" التي تذكرنا بأن الوطن قد يكون أغلى من الذهب، لكنه في بعض المناطق يظل أرخص من قطرة ماء.