قبل أن تتوقف الساعة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

كانت الساعة المعلقة على الجدار تؤدي عملها بإخلاص. تدور عقاربها بهدوء، تعلن مرور الدقائق والساعات، بينما ينتظر الجميع شيئًا واحدًا... أن يحدث ما يستحق هذا الانتظار.

مرت سنة... ثم أخرى... ثم أخرى، والساعة لا تمل من الدوران، لكن الوجوه التي تنظر إليها تغيّرت. طفلٌ كان يقفز فرحًا صار شابًا يحمل همومًا أكبر من عمره. وأبٌ كان يعد أبناءه بمستقبل أفضل، غزا الشيب رأسه قبل أن يفي بوعده. وأمٌ كانت تخبئ مفتاح البيت على أمل العودة، ما زالت تحتفظ به، كأن الأبواب تنتظر أصحابها أكثر مما ينتظرها أصحابها.

في اليمن، لم تعد الحرب مجرد معركة بين أطراف متصارعة، بل أصبحت ساعةً ضخمة تدور فوق رؤوس الجميع. كل عقرب فيها يسرق حلمًا، ويؤجل مشروعًا، ويضيف اسمًا جديدًا إلى قائمة المنتظرين.

انتظار السلام... انتظار الدولة... انتظار الراتب... انتظار الطريق الآمن... وانتظار أن يعود الوطن كما كان.

لكن الساعة لا تعرف الرحمة؛ فهي لا تتوقف احترامًا لدمعة أم، ولا تؤجل دورانها من أجل طفل حُرم من مدرسته، ولا تمنح المزارع موسمًا إضافيًا ليستعيد ما خسره. إنها تمضي، بينما الأعمار هي التي تتناقص.

والمفارقة أن البعض انشغل بالخلاف على من يملك الساعة، ونسي أن الزمن نفسه يسرق الجميع. فما قيمة الانتصار في معركة إذا كان الوطن يخسر سنواته؟ وما جدوى المكاسب الصغيرة إذا كانت أعمار الناس تُستهلك في طوابير الانتظار؟

الزمن لا يحاسب الأمم بعدد سنوات الحرب، بل بعدد السنوات التي سمحت فيها للحرب أن تسرقها دون أن تستعيد قرارها. فكل دقيقة تضيع من عمر الوطن تحتاج إلى سنوات لتعويضها، وكل فرصة تُهدر قد لا تتكرر.

وربما لا يحتاج اليمن اليوم إلى ساعة جديدة، بل إلى قرار شجاع يوقف عقارب الحرب، ويعيد عقارب الدولة إلى العمل. فالأوطان لا تموت عندما تُقصف مدنها، وإنما تضعف عندما يعتاد أهلها الانتظار أكثر من السعي.

وقبل أن تتوقف الساعة في ذاكرة جيلٍ كامل، يبقى الأمل هو العقرب الوحيد الذي يجب ألا يتوقف عن الدوران؛ لأن الفجر لا يولد من الأمنيات، بل من إرادة تعرف أن الزمن، إذا لم نصنعه بأيدينا، صنعه غيرنا على حسابنا.