دماء أصيل.. صرخة العدالة..!
في قلب تعز الشامخة، وفي أزقة "عزلة الجبزية" التي احتضنت النضال عقوداً، لم تكن تلك التحركات العسكرية البغيضة مجرد استعراض عابر لسطوة السلاح، بل كانت ديباجة لمأساة نسجت تفاصيلها من حقد دفين وترصد غادر.
لقد خرجت تلك التشكيلات المسلحة المنفلتة، بأوامر صريحة ومباشرة من قيادات المحور، تلهث وراء غاية دنيئة؛ غاية تتلخص في تصفية العقيد عبد الحكيم الجبزي، رئيس عمليات اللواء 35 مدرع، واجتثاث كل صوت حر ما يزال يختزن في وريده الوفاء لروح الشهيد الخالد عدنان الحمادي.
بدأت أولى فصول الجريمة بمحاصرة دار العقيد، ونصب خناجر نقاط التفتيش أمام حرمة منزله لمنعه من العودة، مع تعمد استفزاز مرافقيه لإشعال فتيل الاقتتال.
لكن "الأفندم"، بوعيه القومي النبيل وشهامته الأصيلة، أدرك الخديعة ففضل الانسحاب الفوري، آثراً سلامة أبناء عزيلته وحقناً لدماء الأبرياء.
موقف نبيل أطاح بأوهام القتلة وأثار حفيظة قيادتهم المسكونة بغريزة البطش، بعد أن أفشلت حكمتُه مخطط التصفية المباشرة في تلك اللحظة الحاسمة.
غير أن أرباب الإجرام لم يرتدعوا، بل أصدروا أوامرهم البشعة باستمرار الحصار الجائر على عائلة العميد، وتكللت دناءتهم باختطاف نجل القائد؛ الطبيب الشاب أصيل الجبزي.
أصيل، ذلك المدني النقي الذي لم يحمل سلاحاً قط، ولم تتلوث يداه ببغضاء الصراعات العسكرية، غدا فجأة هدفاً لغابة المليشيات.
وهنا تجسدت الجريمة المنظمة في أدنى درجات الانحطاط البشري؛ تعذيب انتقامي وممنهج، وتنكيل وحشي بجسد طاهر وهو لا يزال يصارع أنفاس الحياة.
كان الهدف الخسيس هو إيلام قلب والده الوطني الحر، فبدأت سكاكين الحقد بقطع شفتيه ولسانه، وفقء عينيه الناظرتين للغد، ثم جدع أنفه وأذنيه.
ولم يكتفِ أولئك الوحوش بذلك، بل مضوا يبترون أصابع يديه وقدميه، ثم أعضاءه، وصولاً إلى ذبحه بدم بارد وإلقاء جثمانه المضمخ بالدماء على قارعة الطريق.
ألا تباً ليدٍ امتدت لتقطع الشريان الحارس للحياة..!
ما ذنب الطبيب أصيل الجبزي حتى تُنهك جثته بكل هذا العبث الإجرامي الوحشي..؟
هل غدى النبل جُرماً، والصلاح ذنباً..؟
إن ذنبه الوحيد في عرف الطغاة أنه حمل اسم أبيه العميد الركن عبد الحكيم الجبزي.
إن صمت أبناء تعز أمام هذه الفاجعة ليس مجرد خذلان أو حيدة، بل هو خيانة صريحة لقيم العدالة ومشاركة غير مباشرة في إهراق الدم الزكي.
إن السكوت عن هذه الخيانة يمهد الطريق ليتكرر السيناريو المرعب غداً في بيت كل أب وأم.
إن قضية أصيل ليست مجرد ورقة في أرشيف المظالم، بل هي صرخة حق بوجه الطغيان وقضية رأي عام تمس كرامة المجتمع بأكمله.
يجب على كل أحرار الوطن الاستمرار في التضامن الصارم، حتى تقاد هذه العصابات المأجورة إلى منصة العدالة ويكون القصاص هو الكلمة الأخيرة.