الحوثيون يفرّغون السجون لتغذية الجبهات.. «العفو» يتحول إلى فخ لتجنيد اليمنيين

الحوثيون يفرّغون السجون لتغذية الجبهات.. «العفو» يتحول إلى فخ لتجنيد اليمنيين
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

تواجه ميليشيا الحوثي الإرهابية اتهامات متصاعدة باستغلال السجون والمعتقلين في مناطق سيطرتها لتعويض النقص المتزايد في صفوفها القتالية، عبر تحويل قرارات الإفراج إلى وسيلة لاستقطاب سجناء ودفعهم نحو الجبهات، في ممارسة تثير انتقادات حقوقية واسعة وتفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة بشأن دوافع عمليات العفو التي تعلنها الجماعة.

واتهم الممثل وصانع المحتوى اليمني أحمد الجيشي جماعة الحوثيين باستخدام بعض السجناء كورقة بشرية لتعزيز صفوفها المسلحة، معتبراً أن الإفراج عنهم لا يأتي، وفق تقديره، بدافع الرحمة أو الرأفة، وإنما في إطار البحث عن مقاتلين جدد يمكن الزج بهم في ساحات القتال.

وقال الجيشي إن الجماعة تعمل على تجنيد أكبر عدد ممكن من اليمنيين وتحويلهم إلى «وقود» لمعاركها ومشروعاتها السياسية، متسائلاً عن أسباب استمرار احتجاز أشخاص اعتُقلوا بسبب منشورات أو مواقف معارضة للحوثيين، في وقت تعلن فيه الجماعة الإفراج عن أعداد أخرى من السجناء.

واستشهد الجيشي بحالات سحر الخولاني وفارس أبو بارعة وغيرهما من المحتجزين، معتبراً أن التباين في التعامل مع المعتقلين يثير علامات استفهام حول المعايير التي تعتمدها الجماعة في قرارات الإفراج، وما إذا كانت الحرية أصبحت مرتبطة بموقف السجين من مشروعها العسكري والسياسي.

وتزامنت هذه الاتهامات مع إعلان ميليشيا الحوثي الإفراج عن 426 سجيناً في محافظة صعدة، معقل الجماعة، بناء على توجيهات القيادي عبدالسلام الحوثي، المعين في منصب النائب العام، حيث قُدمت الخطوة باعتبارها إجراءً لمعالجة أوضاع السجناء وبالتزامن مع الاحتفال بالمولد النبوي.

لكن مصادر حقوقية أفادت بأن عمليات الإفراج لا يمكن فصلها عن مساعي الجماعة لتوفير مقاتلين جدد لجبهاتها، خصوصاً في ظل ما تصفه المصادر باستنزاف متزايد لقدرتها البشرية وتراجع قدرتها على استقطاب اليمنيين بالوسائل التقليدية.

وبحسب المصادر، خضع عدد من السجناء خلال فترة احتجازهم لمحاضرات وبرامج تعبئة ذات طابع طائفي، نظمتها عناصر حوثية بهدف التأثير عليهم ودفعهم إلى الانخراط في القتال تحت شعارات «الجهاد» ومواجهة إسرائيل والولايات المتحدة واليهود، إلى جانب خطاب تعبوي تستخدمه الجماعة بصورة متكررة لحشد المقاتلين.

وتشير المصادر إلى أن الأمر لم يقتصر على سجناء أو محتجزين اقتربت مدد أحكامهم من نهايتها، بل شملت عمليات الإفراج، وفق روايتها، أشخاصاً صدرت بحق بعضهم أحكام طويلة على خلفية قضايا جنائية خطيرة، بينهم متهمون أو مدانون في جرائم قتل واغتصاب وغيرها، مع الإفراج عن بعضهم مقابل تعهدات بالمشاركة في القتال ضمن صفوف الميليشيا.

وفي حال صحة هذه الوقائع، فإنها تكشف عن تحول خطير في وظيفة السجون الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، من مؤسسات يفترض أن تخضع للقانون وتنفذ الأحكام القضائية إلى ساحات لاستقطاب عناصر جديدة وإعادة توجيههم نحو الجبهات.

كما أن ربط الحرية بالانضمام إلى القتال يحول «العفو» من إجراء إنساني وقانوني إلى أداة ضغط واستقطاب، إذ يجد السجين نفسه أمام خيار بالغ القسوة: البقاء خلف القضبان أو الخروج منها مقابل الانخراط في حرب الجماعة.

وتزداد خطورة هذه الممارسات، بحسب المصادر، عندما تشمل أشخاصاً صدرت بحقهم أحكام في جرائم جنائية جسيمة، لأن إطلاق سراحهم مقابل استخدامهم في القتال لا يهدد فقط سلامة المجتمع، بل يكشف أيضاً عن حجم الحاجة التي تواجهها الجماعة إلى رفد جبهاتها بعناصر جديدة، حتى من خارج مسارات التجنيد المعتادة.

وفي سياق عملية الإفراج في صعدة، أفادت المصادر بأنه سيتم ترحيل 229 سجيناً من جنسيات غير يمنية إلى بلدانهم، وهم من المهاجرين الأفارقة الذين سبق أن احتجزتهم الجماعة، ما يعيد تسليط الضوء على أوضاع المهاجرين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وما تعرض له بعضهم خلال فترات الاحتجاز.

وتثير قضية هؤلاء المهاجرين تساؤلات إضافية حول طبيعة معاملتهم، وما إذا كانت الجماعة قد حاولت استغلال ظروفهم الصعبة أو الضغط عليهم خلال فترة احتجازهم، خصوصاً في ظل الحديث عن استخدام الفئات الأكثر هشاشة في عمليات الحشد والاستقطاب.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه ميليشيا الحوثي ضغوطاً متزايدة لتوفير احتياجاتها البشرية في الجبهات، بعد سنوات من الحرب والخسائر التي تكبدتها في مواجهات متعددة، وهو ما يدفعها، بحسب منتقديها، إلى توسيع نطاق البحث عن المجندين ليشمل السجون والمحتجزين.

ويرى مراقبون أن تحويل السجون إلى مصدر محتمل للمقاتلين يمثل تطوراً بالغ الخطورة، لأنه يضع المعتقلين أمام ضغوط تتجاوز الاحتجاز ذاته، ويجعل حاجتهم إلى الحرية مدخلاً لاستقطابهم عسكرياً وفكرياً.

وفي المقابل، فإن استمرار احتجاز أشخاص بسبب آرائهم أو منشوراتهم المناهضة للجماعة، بالتزامن مع إطلاق سراح آخرين، يطرح تساؤلات ملحة حول حقيقة المعايير التي تحكم هذه القرارات، وما إذا كانت الجماعة تستخدم الإفراج كوسيلة لمكافأة من يقبلون بمشروعها أو كأداة لاستدراجهم إلى صفوفها.

وتطالب أصوات حقوقية بالنظر إلى ملف المعتقلين باعتباره قضية إنسانية وقانونية لا ينبغي إخضاعها للحسابات العسكرية، وبضرورة الكشف عن ظروف عمليات الإفراج الأخيرة والتحقق من أي تعهدات أو شروط فُرضت على المفرج عنهم.

وبينما تحاول ميليشيا الحوثي تقديم قرارات الإفراج باعتبارها مبادرات إنسانية، فإن الاتهامات الموجهة إليها ترسم صورة مغايرة، مفادها أن الجماعة باتت تنظر إلى السجون باعتبارها خزانات بشرية يمكن تفريغها باتجاه الجبهات، وأن «العفو» قد يتحول، في بعض الحالات، من بوابة للعودة إلى الحياة الطبيعية إلى طريق جديد نحو الحرب.