الحوثيون يعطّلون تطعيم أطفال اليمن.. مخاوف من إخفاء اللقاحات واتساع دائرة الأمراض القاتلة
تتفاقم المخاوف في العاصمة اليمنية صنعاء من تداعيات القيود التي تفرضها مليشيا الحوثي على برامج التحصين، وسط شكاوى متزايدة من أسر يمنية بشأن صعوبة الحصول على اللقاحات الأساسية لأطفالها، ومؤشرات مقلقة على اتساع دائرة الأطفال المحرومين من التطعيمات الوقائية.
وتقول مصادر محلية وعاملون في القطاع الصحي إن توقف حملات التطعيم التي كانت تنفذها فرق صحية بدعم من منظمة الصحة العالمية حرم آلاف الأطفال، خصوصًا دون سن الخامسة، من جرعات ضرورية للوقاية من أمراض معدية وخطيرة، بينها الحصبة وشلل الأطفال والسعال الديكي.
وتثير هذه الإجراءات تساؤلات حادة بشأن مصير اللقاحات والجرعات التي كانت مخصصة لحملات التحصين، وسط مخاوف بين السكان من احتمال عدم وصولها إلى الأطفال المستحقين، في ظل رفض حوثي متكرر لاستمرار بعض برامج التطعيم الجماعي.
ويأتي تعطيل حملات التحصين في وقت يعاني فيه النظام الصحي اليمني أصلًا من الانهيار ونقص التمويل والكوادر والأدوية، ما يجعل وقف برامج التطعيم الوقائية أكثر خطورة، خصوصًا في المناطق التي يصعب على الأسر فيها الوصول إلى المراكز الصحية.
وكانت فرق صحية تنفذ حملات ميدانية للوصول إلى الأطفال في المنازل والمناطق السكنية، بما يتيح تلقيح أطفال لا تستطيع أسرهم الوصول بصورة منتظمة إلى المرافق الطبية.
لكن القيود التي فرضتها مليشيا الحوثي على هذه الحملات أدت إلى توقفها، وفق ما أورده عاملون وسكان، لتجد أسر كثيرة نفسها أمام خيارين صعبين: انتظار عودة برامج التطعيم الرسمية، أو محاولة شراء اللقاحات من الصيدليات والأسواق بأسعار تفوق قدرة كثير من العائلات.
وقال سكان في صنعاء إن الحصول على الجرعات أصبح أكثر صعوبة خلال الشهرين الماضيين، خصوصًا بالنسبة للأسر التي لديها رضع وأطفال يحتاجون إلى جرعات دورية ضمن جدول التحصين.
ولا تكمن المشكلة، بحسب هذه الأسر، في ارتفاع تكلفة الجرعات فقط، وإنما في عدم وضوح موعد عودة الحملات المنتظمة، وهو ما يزيد مخاوف الآباء من أن يفقد أطفالهم فرصًا أساسية للوقاية.
ويحذر عاملون في القطاع الصحي من أن استمرار تعطيل حملات التطعيم قد يؤدي إلى توسيع فجوة التحصين بين الأطفال اليمنيين، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من السكان يعيشون في ظروف اقتصادية وصحية شديدة الهشاشة.
وتزداد الخطورة عندما يتعلق الأمر بأمراض شديدة العدوى مثل الحصبة وشلل الأطفال، إذ إن انخفاض معدلات التحصين يوفر بيئة أكثر ملاءمة لانتشارها، ويهدد خصوصًا الأطفال الذين لم يحصلوا على أي جرعة أو لم يستكملوا الجرعات المطلوبة.
وتشير بيانات أوردتها لجنة الإنقاذ الدولية إلى تراجع نسبة الأطفال الذين تلقوا لقاح الحصبة في اليمن على المستوى الوطني من 63% عام 2012 إلى 41% عام 2025.
وفي عام 2024، سجل اليمن 27,517 إصابة بالحصبة و260 وفاة، بحسب البيانات التي أوردتها اللجنة، فيما سجلت البلاد 11,354 إصابة خلال الفترة بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ومارس/آذار 2026، وفق التقرير ذاته.
وتعكس هذه الأرقام حجم الخطر الذي يواجهه بلد تتراجع فيه قدرة المؤسسات الصحية على تنفيذ برامج الوقاية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية وتتقلص الموارد المخصصة للقطاع الصحي.
ولا تتوقف المخاوف عند الحصبة، إذ يمثل شلل الأطفال تهديدًا بالغ الخطورة، خصوصًا للأطفال الأصغر سنًا.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، سجل اليمن منذ عام 2021 نحو 452 إصابة بفيروس شلل الأطفال المتحور، فيما شكل الأطفال دون الخامسة نحو 98% من إجمالي الحالات.
ويقول مختصون إن هذه الأرقام تجعل استمرار برامج التحصين أمرًا لا يحتمل التأجيل، في ظل وجود ملايين الأطفال في بيئة صحية هشة، وانخفاض قدرة النظام الصحي على الوصول إلى المناطق والفئات الأكثر احتياجًا.
وتقدر اليونيسف عدد الأشخاص الذين لا يحصلون على خدمات الرعاية الصحية بصورة كافية في اليمن بنحو 17.8 مليون شخص، معظمهم من الأطفال.
كما تواجه المرافق الطبية نفسها خطر الانهيار؛ إذ تشير تقديرات إلى أن نحو 40% من المرافق الصحية كانت إما متوقفة عن العمل أو معرضة لخطر الإغلاق في بداية العام الحالي، بفعل نقص التمويل وتراجع المساعدات الإنسانية.
ويضع هذا الواقع اليمن بين البلدان التي تواجه واحدة من أكبر أزمات الأطفال غير المحصنين.
وتشير لجنة الإنقاذ الدولية إلى أن اليمن والسودان وسوريا تستحوذ مجتمعة على نحو 87% من الأطفال الذين لم يحصلوا على أي جرعة لقاح في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وعلى المستوى العالمي، يأتي اليمن ضمن الدول التي تسجل أعدادًا مرتفعة من الأطفال غير المحصنين، إلى جانب دول مثل نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
وتقدر التقارير عدد الأطفال اليمنيين الذين لم يحصلوا أصلًا على خدمات التحصين الروتيني بنحو مليون طفل، الأمر الذي يجعل إعادة إطلاق حملات التطعيم وتوسيع نطاقها أولوية صحية عاجلة.
ويحذر مختصون من أن ترك هذه الفجوة تتسع قد تكون له نتائج كارثية، إذ يمكن لأمراض كان بالإمكان الحد منها أو منعها باللقاحات أن تعود إلى الانتشار، بما يضاعف الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية المنهكة أصلًا.
وتتزامن أزمة التطعيمات مع ملف آخر يثير قلق الأوساط الصحية والإنسانية، يتعلق بمصير الدكتور المضواحي، المتخصص في الوبائيات والصحة العامة والمستشار لدى منظمة الصحة العالمية في اليمن.
وكانت مليشيا الحوثي قد اختطفت المضواحي في مايو/أيار 2024، ضمن حملة طالت عاملين في منظمات أممية وإنسانية في صنعاء.
ويزيد استمرار احتجازه، وفق مخاوف متداولة في الأوساط الصحية والإنسانية، من القلق بشأن مصير العاملين المتخصصين في مكافحة الأوبئة والصحة العامة، في وقت يحتاج فيه اليمن بصورة ملحة إلى خبراتهم في مراقبة الأمراض والاستجابة للتفشيات وتنفيذ برامج التحصين.
ويُنظر إلى استهداف العاملين في المجال الإنساني والصحي، إلى جانب تقييد أنشطة المنظمات الدولية، باعتباره عاملًا إضافيًا يعرقل قدرة القطاع الصحي على مواجهة الأزمات المتراكمة.
بالنسبة للأسر اليمنية، لم يعد الأمر يتعلق بجرعة لقاح مفقودة أو حملة توقفت مؤقتًا، بل أصبح مرتبطًا بقدرتها على حماية أطفالها من أمراض قد تكون قاتلة أو تترك إعاقات ومضاعفات دائمة.
وفي بلد أنهكته سنوات الحرب وتراجع الخدمات العامة، يمثل كل طفل خارج منظومة التحصين خطرًا صحيًا محتملًا على نفسه وعلى محيطه.
ويرى عاملون في المجال الصحي أن استمرار تعطيل حملات التطعيم، ورفض السماح للفرق الطبية بالوصول إلى الأطفال، بالتزامن مع تدهور المرافق الصحية وتراجع التمويل الإنساني، قد يدفع اليمن إلى مرحلة أكثر خطورة من تفشي الأمراض التي كان يمكن الوقاية منها.
وبينما تبحث الأسر عن اللقاحات في الصيدليات والأسواق، تتسع الأسئلة بشأن مصير برامج التحصين الرسمية والجرعات المخصصة للأطفال، وسط مخاوف من أن تتحول القيود المفروضة على العمل الصحي إلى أزمة وبائية جديدة يدفع ثمنها الأطفال وحدهم.
وتبقى إعادة فتح المجال أمام حملات التطعيم، وضمان وصول اللقاحات إلى مستحقيها، والسماح للمنظمات الصحية والفرق الطبية بالعمل دون عوائق، من أبرز الإجراءات العاجلة لمنع اتساع فجوة التحصين وحماية ملايين الأطفال اليمنيين من أمراض يمكن الوقاية منها.