الصرخة في مهب الريح.. الحوثي بين أوهام الولاية وحقيقة زواجهم إلى الأبد
لم يعد هناك متسع لخطابات الصدمة والترهيب، فمن يقرأ المشهد اليمني اليوم يدرك أن المليشيا الحوثية تحولت تدريجياً من جماعة تبحث عن "أمجاد التاريخ" إلى مادة دسمة لنوادر الكهف السياسي. فبينما تقرع الطبول ليل نهار محاولة إيهام أتباعها بأن "صواريخ الورق" قادرة على تغيير جغرافيا الأرض، تواصل السخرية الشعبية تفكيك هذا الهيكل الكرتوني بسلاح الضحك الذي يخشاه المستبدون أكثر من البندقية.
أساطير من ورق ومقبرة الشعار
على جدران العاصمة المختطفة، تعيش "الصرخة" أزهى عصور التناقض؛ شعارات ملونة بالزيت الرخيص تدعو للموت لأمريكا وإسرائيل، بينما ينشغل قياديان في الكهف بتوزيع "أراضي الأوقاف" و"كشوفات الغاز" عبر واتساب. تحولت الشعارات الثورية المقدسة إلى لافتات باهتة لا تقنع حتى أطفال المدارس الذين يتهكمون على فواصل "الولاية" في طابور الصباح. بات المشروع الحوثي أشبه بمسرحية هزلية كثر مخرجوها وقلّ مشاهدوها، حيث يُطلب من المواطن الجائع أن يصفق لخطاب عصري يمجّد حروب "زيد بن علي"، وكأن صواعق الحداثة والخبز يمكن رقعها بعبارات "السيد الخالد".
اقتصاد "البقرة الحلوب" وبنوك الكهف
لم تترك المليشيا باباً للجباية إلا وطرقته، ابتداءً من ضرائب القات وصولاً إلى إتاوات "المولد النبوي" التي تُجمع قسراً من موظفي الدولة الذين يتقاضوا نصف راتب فقط منذ سنين.
فقه الجباية:
ابتكر الخبراء الماليون في الجماعة أتاوات تُفرض حتى على "الأحلام"، فحتى الهواء الذي يستنشقه المواطن في مناطق سيطرتهم يخضع لتقديرات "المشرف الأمني".
أرقام وهمية:
تقارير اقتصادية هزلية تعلن عن نمو استثنائي في الاقتصاد الروحي، بينما تكتظ أرصفة صنعاء بالمدرسين والأكاديميين المتحولين إلى باعة تجوال.
سقوط الحلم الإيراني في بئر الواقع
تتكسر أحلام التمدد الإيراني على صخرة الوعي اليمني الصلب الذي يرفض ثقافة "اللطم" واستيراد ملازم لا تناسب عقلية اليمني البسيط.
الأيام القادمة لا تخبئ سوى مزيد من التآكل الداخلي، فالمشروع الذي يقتات على تزوير التاريخ وتجويع الحاضر محكوم بالفناء. إن الرهان على السلاح الخارجي والخطب الحماسية المسجلة على أشرطة كاسيت بالية لن يصنع دولة، ولن يغني عن جياع اليمن شيئاً.
ستبقى هذه المرحلة في الذاكرة اليمنية كفترة "كوميديا سوداء" عابرة؛ مرحلة ظن فيها تجار الحروب أن بمقدورهم إعادة عجلة الزمن إلى الوراء ألف عام، ليفاجأوا بأن الشعب اليمني، رغم جراحه، يملك من السخرية والوعي ما يكفي لدفن أوهام الخرافة إلى الأبد.