دبلوماسية إنقاذ المليشيا: عندما يتحول المبعوث الأممي إلى طوق نجاة للحوثيين

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لم تعد اللعبة السياسية في اليمن مجرد جولات تفاوض عقيمة تُدار في أروقة الفنادق الفخمة، بل أصبحت مسرحية مكشوفة التفاصيل، يتكرر سيناريوها بكل ابتذال مع كل انكسار ميداني يحل بمليشيا الحوثي الإرهابية. المعادلة باتت واضحة ولا تحتاج إلى كثير من التفكيك: كلما انهارت صفوف المليشيا تحت ضربات الشرعية، وكلما اختنق المشروع الإيراني في اليمن وضاق عليه الخناق ميدانياً واقتصادياً، خرج علينا المبعوث الأممي هانس غروندبرغ بملامحه المقلقة، حاملاً معزوفته المكرورة عن "ضرورة ضبط النفس" و"سلوك طريق السلام".

هذه ليست دبلوماسية تبحث عن حل مستدام، بل هي عملية إنعاش مبسطة لمنظومة سلالية طارئة تسعى لفرض سلطة الأمر الواقع بالقوة. إن المبعوث الأممي، بوعي أو بغير وعي، يمارس دور طوق النجاة السياسي كلما أوشكت الجماعة الحوثية على الغرق. والرسالة التي يجب أن تصل إلى مكتب المبعوث في عمان وإلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك اليوم صريحة وقاطعة: قف عند حدك، فالشعب اليمني لم يعد ينخدع ببيانات الهدن الزائفة التي تُستغل فقط لإعادة ترتيب صفوف الإرهاب وحفر المزيد من الخنادق.

إن الحديث عن "السلام" مع جماعة عقائدية متطرفة تغتصب الدولة وتصادر حقوق المواطنين وتعتبر الحرب وسيلة وجودها الوحيدة هو ضرب من العبث الدبلوماسي. لم تكن الهدن السابقة سوى مظلة إقليمية ودولية أتاحت للحوثي تقوية قدراته العسكرية، وتفخيخ عقول أطفال اليمن بالمناهج الطائفية، وتجويع الشعب في المناطق الخاضعة لسيطرته. ولذلك، فإن المحاولات الحثيثة اليوم لإعادة إنتاج المقاربات الفاشلة ذاتها لن تؤدي إلا إلى إطالة معاناة اليمنيين وتغذية الصراع لسنوات قادمة.

ما يحتاجه اليمن ليس خفضاً مؤقتاً للتصعيد يمنح المليشيا فرصة لالتقاط الأنفاس، بل حسم ميداني يعيد هيكلة المشهد السياسي والعسكري برمتها. لقد أثبتت التجربة السابقة، منذ اتفاق Sweden وما تلاه، أن الجماعة الحوثية لا تؤمن بالحلول الوسط، ولا تعترف بالعهود، وتعتبر أي خطوة نحو التهدئة مجرد ضعف يغريها بالمزيد من التعنت والصلف.

إننا اليوم أمام لحظة فارقة لتصحيح المسار التاريخي للجمهورية اليمنية. فكما كانت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م النقطة التي انطلق منها اليمنيون للفكاك من ظلام حكم الإمامة المستبد، فإن العام 2026 يمثل المحطة المفصلية لاستكمال أهداف تلك الثورة الوطنية المجيدة. ليست القضية مجرد مواجهة عسكرية مع فصيل مسلّح، بل هي معركة وجودية لإنهاء بقايا المشروع الإمامي الهجين الذي يحاول إعادة اليمن قروناً إلى الوراء، واستعادة الدولة ومؤسساتها المنهوبة لصالح مشروع وطني جامع.

إن الرهان على حسن نيات المليشيات أو على قدرة الأمم المتحدة على فرض حل عادل هو رهان على السراب. الحل الدائم والوحيد الذي يضمن استقرار اليمن والأمن الإقليمي هو إنهاء الانقلاب كلياً وتفكيك بنيته العسكرية والتنظيمية. لا توجد منطقة وسطى بين الدولة والمليشيا، ولا يمكن لسلام حقيقي أن يستمر في ظل وجود سلاح منفلت يهدد المواطنين والملاحة الدولية وحرية المنطقة.

يجب على المجتمع الدولي أن يفهم أن منطق الاسترضاء ومطاردة الأوهام التفاوضية لن يصنع حلاً، بل يضاعف كلفة التحرير مستقبلاً. القوة هي اللغة الوحيدة التي تفهمها المليشيات العقائدية، واستعادة المبادرة الميدانية هي الطريق الوحيد لإجبار المليشيا على الانصياع أو التلاشي.

الرسالة النهائية حاسمة ولا تقبل التأويل: لا هدنة تُنقذ الحوثي من مصيره المحتوم، ولا سلام يحمي الانقلاب أو يشرعن وجوده، ولا تراجع عن خيار التحرير الشامل. لقد بدأ اليمنيون مسار حريتهم في 26 سبتمبر 1962، واليوم يُستكمل هذا المسار بإسقاط المشروع الإمامي الجديد وإعادة بناء الجمهورية على أسس متينة لا تقبل المساومة.