من مقاعد الدراسة إلى جبهات الموت.. كيف يحوّل الحوثيون أطفال اليمن إلى وقود للحرب؟
لم تعد الحرب في اليمن تكتفي بقتل الأطفال وتشريدهم وحرمانهم من التعليم، بل باتت تدفع الكثير منهم إلى قلب المعارك، عبر عمليات تجنيد واستقطاب وتدريب عسكري وثقتها تقارير أممية ودولية على مدى سنوات.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن عصابة الحوثي ما تزال تستخدم الاطفال وقودا للحرب رغم أدراجها ضمن الأطراف المرتكبة لانتهاكات جسيمة ضد الأطفال بسبب تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاع المسلح.
وفي أحدث بيانات أممية موثقة، تم التحقق من تجنيد واستخدام 262 طفلًا في اليمن خلال الفترة التي يغطيها التقرير، بينهم 127 طفلًا نُسبت مسؤولية تجنيدهم واستخدامهم إلى الحوثيين.
ولا تبدأ القصة بالضرورة عند الجبهة؛ فالتقارير الدولية تكشف عن مسار يبدأ أحيانًا من المدرسة أو المعسكرات الصيفية، مرورًا بالتعبئة والتدريب، وصولًا إلى المواقع العسكرية وخطوط المواجهة.
تعز.. المدرسة بوابة للاستقطاب
تظهر محافظة تعز في تقارير دولية عدة تناولت تجنيد الأطفال. فقد وثق فريق الخبراء البارزين التابع للأمم المتحدة استخدام مدارس في مناطق خاضعة للحوثيين لأغراض التعبئة والاستقطاب، وأشار إلى مدارس في تعز ضمن المدارس التي شملها التوثيق.
كما وثقت الأمم المتحدة حالات لأطفال جرى تجنيدهم واستخدامهم في الأعمال العدائية، بينهم أطفال في سن الثالثة عشرة.
وتعكس هذه الوقائع خطورة تحويل البيئة التعليمية من مساحة لحماية الطفل إلى وسيلة للتعبئة الأيديولوجية والعسكرية، خصوصًا في مجتمع يعاني أصلًا من الفقر والنزوح وتدهور الخدمات التعليمية.
الساحل الغربي.. أطفال على خط النار
الساحل الغربي، ولا سيما مناطق محافظة الحديدة، كان أحد أبرز مسارح العمليات العسكرية خلال سنوات الحرب.
وتشير التقارير الأممية إلى تجنيد واستخدام الأطفال من قبل عصابة الحوثي في الاعمال العسكرية .
ويحذر المجتمع الدولي من أن وجود الأطفال داخل التشكيلات والمواقع العسكرية، سواء كمقاتلين أو في أدوار مساندة، يعرضهم للقتل والإصابة والإعاقة والصدمات النفسية.
المعسكرات الصيفية.. طريق آخر إلى الجبهة
من أكثر الملفات إثارة للقلق ما وثقته الأمم المتحدة وفريق الخبراء التابع لمجلس الامن الدولي بشأن المعسكرات الصيفية الحوثية.
فقد تحدثت التقارير عن مشاركة أعداد كبيرة من الأطفال في هذه الأنشطة، وعن تعرضهم للتعبئة الأيديولوجية والتدريب العسكري.
كما وثقت الأمم المتحدة حالات انتقل فيها أطفال من مرحلة التدريب إلى جبهات القتال.
وفي إحدى الحالات التي وثقتها الأمم المتحدة، جرى تجنيد فتى يبلغ 16 عامًا وتدريبه عسكريًا ثم إرساله إلى جبهة مأرب، حيث قُتل أثناء القتال.
الفقر.. مدخل لاستغلال الأطفال
تتغذى عمليات الاستقطاب على الظروف الاقتصادية القاسية التي تعيشها ملايين الأسر اليمنية في مناطق سيطرة عصابة الحوثي .
وقالت هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته عام 2024 إن نشطاء وحقوقيين أفادوا بزيادة تجنيد الحوثيين للأطفال، وتحدثت عن حالات لأطفال في سن 13 عامًا، وعن استخدام المدارس والمراكز الثقافية والمعسكرات في عمليات الاستقطاب.
وأشارت المنظمة إلى أن أغلب الأسر تتعرض لضغوط اقتصادية تجعل الوعود بالمال أو الغذاء عاملًا مؤثرًا في دفع الأطفال إلى الانضمام.
وهكذا يجد الطفل نفسه ضحية مزدوجة: ضحية للفقر والحرب، ثم ضحية للاستغلال العسكري.
تعهد أممي لم ينهِ التجنيد
في أبريل/نيسان 2022، وقعت عصابة الحوثي مع الأمم المتحدة خطة عمل لإنهاء ومنع تجنيد الأطفال واستخدامهم.
لكن التقارير الأممية اللاحقة واصلت توثيق حالات تجنيد واستخدام للأطفال، إضافة إلى استمرار الحديث عن المعسكرات الصيفية والتدريب العسكري.
وتؤكد الأمم المتحدة أن الأرقام التي تمكنت من توثيقها لا تمثل بالضرورة العدد الكامل للحالات، بسبب صعوبة الوصول إلى مناطق سيطرة الحوثيين والقيود المفروضة على عمليات الرصد والتحقق.
جريمة بحق جيل كامل
إن تجنيد طفل وتحويله إلى مقاتل أو عنصر مساند لا يسرق منه طفولته فقط، بل يهدد مستقبله ويترك آثارًا نفسية واجتماعية قد تمتد لسنوات.
وتؤكد قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الاختياري المتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة ضرورة حماية الأطفال من التجنيد والاستخدام العسكري.
وتبقى المسؤولية اليوم في إخراج الأطفال من التشكيلات والمواقع العسكرية، ووقف عمليات الاستقطاب، وحماية المدارس، وإعادة الأطفال إلى أسرهم وتعليمهم، ومحاسبة المسؤولين عن تجنيدهم واستخدامهم.
فمن المدرسة إلى المعسكر، ومن المعسكر إلى الجبهة، يسير الطفل في طريق لم يختره. وفي نهايته قد لا تكون هناك عودة.
إنقاذ أطفال اليمن من التجنيد ليس قضية إنسانية فحسب، بل معركة لحماية مستقبل بلد بأكمله.