اليمن.. بين مأساة الكهف ومستقبل الجمهورية المفقود
حين نكتب عن اليمن، فإننا لا نؤرخ لرقعة جغرافية عابرة على هامش الخريطة الاستراتيجية للمنطقة، بل نزيل الغبار عن أحد أقدم مراكز الثقل الحضاري والإنساني في تاريخ العرب.
هذا البلد الذي شقّت تجارته آفاق العالم القديم، ووثّقت حضارته في السدود والمعابد وطرق البخور، لم يكن يومًا طارئًا على الفعل التاريخي. لقد أفرزت قسوة الطبيعة اليمنية إنسانًا من طراز فريد؛ إنسانًا قهر الشحّ بالإرادة، وأحال التحدي إلى تضامن مجتمعي وقيم كبرى جعلت من وصف البلدة الطيبة حقيقة راسخة في الذاكرة العربية. ولكن، كم هي قاسية مفارقات التاريخ الحديث؛ فاليمن الذي كان منارةً للاستقرار والتنوير، يجد نفسه اليوم رهينة في نفق مظلم صنعه مشروع سلالي طائفي بغيض، استولى بقوة الحديد والنار على مقدرات الدولة، وحوّل عاصمة الحضارة والتاريخ إلى منصة لتصدير الفوضى ورهن المستقبل لصالح أجندة إقليمية لا تضمر لليمن ولا لمحيطه العربي إلا الخراب.
لم يكن الانقلاب الحوثي مجرد تبديل في واجهات الحكم، بل كان هدمًا ممنهجًا لبنيان الدولة الاقتصادي والمؤسسي، طال النسيج الاجتماعي والهوية الثقافية.
فعلى مدى عقد ويزيد من الحرب العبثية، أفلحت المليشيا في تدمير الدورة الاقتصادية للبلاد وقطعت شريان الحياة عن ملايين اليمنيين.
وعندما تُنهب الخزينة العامة، ويُحرم مئات الآلاف من الموظفين من رواتبهم لسنوات، وتتداعى المنظومة الصحية والتعليمية، فإننا لا نتحدث عن مجرد أزمة معيشية، بل عن هندسة متعمدة للإفقار والتركيع صُممت لتجعل المواطن اليمني عاجزًا ومشغولًا برغيف خبزه ودواء طفله، حتى لا يلتفت إلى الجريمة الكبرى المتمثلة في سرقة وطنه ومستقبله.
وبقدر ما يبدو الدمار المادي للمدن والبنى التحتية قابلًا للإصلاح والترميم عبر خطط الإعمار، فإن الخطر الحقيقي والأكثر فتكًا يكمن في البناء الفكري والعقائدي الذي تفرضه المليشيا على الأجيال الصاعدة، من خلال عملية تطييف ممنهجة للتعليم والوعي تهدف إلى استئصال مفهوم المواطنة المتساوية وغرس ثقافة الولاء المطلق لسيد الكهف والمشروع السلالي.
وحين يُستبدل الدستور والقانون بسلطة السلاح، ويُصار إلى تحويل الهوية الوطنية الجامعة إلى هويات متناحرة ومناطقية ضيقة، يصبح الوجود الكياني لليمن كمجتمع ودولة مهددًا في صميمه.
ومن هنا تسقط كل المسكنات السياسية؛ فلا استقرار ولا أمن للملاحة الدولية في البحر الأحمر والخليج العربي ما دامت هذه المليشيا تملك القدرة على المناورة والاستمرار في تصدير إرهابها بصواريخ ومسيرات إيرانية تتعدى الحدود إلى دول الجوار.
لقد استنفدت الدولة اليمنية، ومعها المجتمع الدولي، كل خيارات التهدئة والفرص الدبلوماسية مع جماعة لا تتقن سوى لغة الغدر ونقض العهود، وأثبتت التجارب المتعاقبة يقينًا قاطعًا بأنه لا يمكن التعايش مع مليشيا تؤمن بأنها وُجدت لتسود بالحق الإلهي، بينما يُكتب على البقية أن يكونوا رعايا في مزرعة خاصة. فالحديث عن سلام هش يُبقي السلاح خارج مؤسسات الدولة ويشرعن وجود المليشيات تحت أي ذريعة، ليس سوى ترحيل للأزمة وتمهيد لحرب أشد دموية.
وإن استعادة الدولة اليمنية بهيبتها، وبسط نفوذها الدستوري على كامل التراب الوطني، وبناء جيش وأمن محترفين على أسس وطنية خالصة، ليست مجرد مطالب تفاوضية قابلة للبيع والشراء، بل هي شرط وجودي لا يقبل المساومة.
ومع ذلك، يظل حسم المعركة مع هذه العصابة الانقلابية هو الطريق الوحيد الذي سيمهد نحو تحقيق السلام الشامل، وعودة مؤسسات الدولة، وإنهاء معاناة اليمنيين المستمرة منذ سنوات.