أحجار على شطرنج الميليشيا.. مآلات الكارثة حين يغيب الوطن وتستبيح السلالة كل شيء
في ظل التحولات العميقة والمنعطفات الخطيرة التي تمر بها البلاد، تتكشف يوماً بعد يوم ملامح المشروع الحوثي ومآلاته الكارثية على مستقبل الوطن وإنسانِه. ولم يعد خافياً أن ما يطرحه الكُتّاب والمفكرون في قراءاتهم النقدية يمثل جرس إنذار حقيقي حول مصير أجيال كاملة تحولت في ظل منظومة القهر إلى مجرد أرقام وأحجار شطرنج، وفقد معها المجتمع أبسط مقومات حريته وكرامته وأمانه. من تكميم الأفواه إلى المقابر الجماعية المستحدثة، ومن تصفية الحلفاء والخصوم على حد سواء إلى مصادرة الخطوط الحمراء، يتساءل الشارع اليمني بقلقه المشروع: كيف سيكون شكل اليمن لو كُتب لهذا المشروع الشمولي الاستقرار والشرعية الدولية المطلقة من صعدة إلى ميون؟
الركيزة السياسية والإدارية:
قراءة في فلسفة الحكم الشمولي ومخاطر الاعتراف الدولي
أحمد محسن العقيلي (مسؤول محلي سابق وشخصية سياسية وإدارية) قال:"إن قراءة المشهد اليمني اليوم تكشف عن حقيقة مرة؛ وهي أن المشاريع السلالية لا تقبل الشراكة ولا تؤمن بالآخر، حتى وإن كان من بني جلدتها أو مذهبها. إن ما شهده اليمن من تصفية واعتقالات طالت حتى الوجاهات والقيادات التي مهدت الطريق لهذا المشروع تؤكد القاعدة التاريخية للمستبدين: (التخلص من الخادم أولاً). ولو قُدر لهذا الكيان الاستقرار ونيل شرعية دولية مزيفة، فإننا سنكون أمام نموذج لجمهورية الخوف المطلق، حيث يتحول الوطن إلى سجن كبير تُدار مفاصله بالولاء المطلق لمشروع السيد، لا لمصلحة الشعب اليمني وتاريخه الحضاري والجمهوري."
النبض الشعبي والشبابي:
ضياع البوصلة وتحويل الأجيال إلى "جنود ملازم"
سامي عبدالكريم المخلافي (ناشط وقيادي شبابي) قال:
"ما يوجع القلب حقاً هو ضياع مستقبل أطفالنا وشبابنا وهم يُدفعون قسراً إلى متاريس الموت وغرف التعبئة الطائفية، ليتحولوا إلى مجرد (جنود ملازم) وأدوات صماء في مشروع عابر للطبيعة الوطنية. الشباب اليمني الذي كان ينظر إليه كطاقة للبناء والتطور والإبداع، أصبح اليوم محاصراً بهاجس التجسس والتقارير السرية حتى داخل بيوته. إن مآلات استمرار هذا الوضع تعني ضياع جيل كامل سيعاني طويلاً لترميم عقله ونفسيته وهويته الوطنية المستلبة."
الحضور النسوي والريادة المجتمعية:
تجاوز الخطوط الحمراء وانهيار منظومة القيم
د. ابتسام محمد الورفي (أكاديمية وناشطة حقوقية) قالت:"لقد عُرفت الأعراف والتقاليد اليمنية الأصيلة بحماية المرأة وتجنيبها دوامة الصراعات السياسية، واعتبرت ذلك خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. لكن ما مارسه الحوثيون من انتهاكات واعتقالات طالت حرائر اليمن كشف عن سقوط أخلاقي ذريع لكل القيم التي تربى عليها المجتمع اليمني. المرأة اليمنية التي كانت صانعة للثورات ورمزاً للكرامة تُستهدف اليوم في صميم أمانها الأسري، مما ينذر بكارثة مجتمعية عميقة تفتت النسيج الاجتماعي وتزرع ثقافة الخوف والذعر في كل منزل يمني."
المؤسسة العسكرية والأمنية:
ثقافة الغدر بالحلفاء ومصير من باعوا الجمهورية
اللواء ركن/ صالح محسن العمري (قيادي عسكري متقاعد) قال:
"التاريخ العسكري والسياسي مليء بالدروس، وأبرزها أن من يخون الجمهورية ويسلم معسكرات بلده ويداه لمشروع سلالي، فإنه يحفر قبره بيديه. لقد رأينا كيف غدر الحوثيون بكل من خدمهم من الشيوخ والقادة العسكريين بعد أن استتب لهم الأمر في مناطق سيطرتهم الحالية. إنهم لا يحترمون إلا من يخضع لهم تماماً، وتجربة تصفية الحلفاء والخصوم على السواء تثبت أن لغة القوة والبطش هي وحدها الحاكمة؛ فكيف سيكون الحال لو امتد سلطانهم بلا رادع من صعدة إلى ميون؟ ستكون المؤسسة الأمنية والعسكرية مجرد أداة قمع وقهر داخلي."
القطاع الاقتصادي والتجاري:
بيئة طاردة للاستثمار وسياسة التجويع المنهجي
عبدالرحمن سعيد الشيباني (رجل أعمال وتاجر) قال:"الاقتصاد الحر والنشاط التجاري لا يزدهران إلا في بيئة آمنة تسودها سيادة القانون والشفافية. أما في ظل حكم استبدادي يقوم على الجبايات، وتكميم الأفواه، وغياب الاستقرار، فتتحول التجارة إلى غنيمة والقطاع الخاص إلى تابع مطبل. إن مآلات سيطرة كاملة للحوثيين -لا قدر الله- تعني خنق ما تبقى من شرايين الاقتصاد الوطني، وتكريس الفقر والجوع كوسيلة تركيع وإذعان لشعب كان يطمح لأن يكون بوابة للتنمية والازدهار الإقليمي."
البعد الثقافي والتنموي:
طمس الهوية وتشييد المقابر على حساب المدارس
محمد أحمد الشامي (كاتب صحفي ومؤرخ) قال:
"إن أشد ما يهدد اليمن اليوم ليس فقط تدهور الاقتصاد أو انهيار الخدمات، بل هو استهداف الهوية الثقافية والتاريخية للإنسان اليمني. حين تتحول المدن إلى معتقلات، وحين تتسع المقابر الجماعية بوتيرة أسرع من تشييد المدارس والمعاهد، فإننا نكون أمام عملية تجريف ممنهج للذاكرة الوطنية. إن محاولات مسح الأعياد الوطنية واستبدالها بمناسبات طائفية مفروضة هي محاولة لاختطاف روح اليمن التاريخية، وهو أمر لن يقبله الأحرار مهما بلغت حجم التضحيات والآلام."
الخاتمة:
تؤكد هذه الشهادات والتحليلات أن الحديث عن مآلات سيطرة المشروع الحوثي على اليمن ليس مجرد تخوفات نظرية، بل هو استقراء دقيق لواقع معاش ولسلوكيات سلطة أمر واقع تجري اختبارات قاسية على صبر وإرادة الشعب اليمني كل يوم.
إن استعادة الدولة وحماية الجمهورية والكرامة الإنسانية تظل هي البوصلة الوحيدة لإنقاذ الأجيال القادمة من ضياع محقق.