لماذا لم ننتصر؟
كم مرة رفعنا شعارات النصر ، وضحّينا بالكثير من أجل الوصول إلى أهدافنا، ثم وجدنا أنفسنا أمام واقع لا يشبه أحلامنا؟ وكم مرة تساءلنا عن أسباب إخفاقنا، بينما كنا نكرر الأخطاء ذاتها وننتظر نتائج مختلفة؟ إن سؤال «لماذا لم ننتصر؟» ليس مجرد تعبير عن خيبة أو انكسار، بل هو محاولة لفهم ما حدث، ومواجهة الحقيقة، والبحث عن طريق للخروج من دائرة الهزائم المتكررة.
قد تكون الظروف أقسى من قدراتنا، وقد تمتلك المليشيات الحوثيه من القوة والإمكانات ما يرجّح كفته، لكن الهزائم لا تُفسَّر دائماً بقوة الخصم وحده؛ فكثيراً ما تسهم خلافاتنا الداخلية، وغياب الرؤية الواضحة، وسوء إدارة الإمكانات في إضعافنا. لقد انشغلنا أحياناً بصراعات جانبية، وتقدمت المصالح الشخصية والحزبية والمناطقية على المصلحة العامة، فتحولت الاختلافات إلى انقسامات، وتبددت الجهود في معارك كان يمكن تجنبها. وبدلاً من أن نوحد طاقاتنا لتحقيق الأهداف المشتركة، استنزفناها في التنافس على القيادة والنفوذ، وكأننا نختلف على غنائم النصر قبل أن نحقق النصر نفسه.
ولم تكن المشكلة في اختلافنا وحده، بل في اعتمادنا على الشعارات والحماسة أكثر من اعتمادنا على التخطيط والعمل. فعدالة القضية لا تكفي وحدها لتحقيق أهدافها، وصدق النوايا لا يعوّض غياب الكفاءة، والخطابات مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تحل محل المؤسسات الفاعلة والقرارات المدروسة. إن النجاح يحتاج إلى رؤية واضحة، وقيادة تتحمل مسؤوليتها، وإدارة تحسن استثمار الإمكانات، وقدرة على تقييم النتائج وتصحيح الأخطاء. وحين تتقدم الولاءات على الكفاءات، والمصالح الخاصة على احتياجات الناس، تصبح الهزيمة احتمالاً يتعزز مع مرور الوقت.
ولعل أخطر ما نواجهه هو عجزنا عن مراجعة تجاربنا بصدق. فعندما نفشل، نميل إلى تحميل الآخرين المسؤولية، ونبحث عن مبررات تخفف عنا وطأة الاعتراف بالخطأ، متجاهلين أن فهم أسباب الإخفاق هو الخطوة الأولى لتجاوزه. ولا يعني ذلك تجاهل الظروف الخارجية أو التقليل من أثر اختلال موازين القوة، بل يعني ألا نجعلها ذريعة لإعفاء أنفسنا من مسؤولية ما نستطيع تغييره. فالأمم لا تُقاس بقدرتها على تجنب الأخطاء، وإنما بشجاعتها في الاعتراف بها، واستخلاص الدروس منها، ومنع تكرارها.
ويزداد الفشل عمقاً حين تنفصل القرارات عن معاناة الناس، وتتحول المسؤولية إلى وسيلة لتحقيق المصالح والنفوذ، بينما يتحمل المواطن وحده أثمان الأزمات. عندها تتراجع الثقة، وتتسع الفجوة بين تطلعات المجتمع وممارسات من يتولون شؤونه، وتصبح التضحيات عرضة للضياع. فليس النصر أن تتغير الوجوه وتبقى الممارسات نفسها، ولا أن تتحقق مكاسب مؤقتة بينما يستمر الظلم والفساد وتبقى حياة الناس مثقلة بالخوف والفقر والحرمان. النصر الحقيقي هو أن تنعكس النتائج على حياة الإنسان، وأن تُصان كرامته وحقوقه، وأن تتوافر له مقومات الأمن والعدالة والاستقرار.
ومع ذلك، فإن الهزيمة ليست نهاية الطريق، ما دامت هناك إرادة للتعلم والتغيير. لكن تجاوزها لا يكون بتكرار الخطابات ذاتها أو انتظار ظروف أكثر ملاءمة فحسب، بل بإعادة ترتيب الأولويات، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة، واختيار الكفاءات على أساس النزاهة والقدرة، وبناء مؤسسات تحكمها القوانين والمساءلة. كما يتطلب ذلك وعياً يدرك أن الاختلاف لا يستوجب العداء، وأن الحوار لا يعني التنازل عن المبادئ، وأن وحدة الصف لا تُفرض بالشعارات، بل تُبنى بالثقة والعدل والاتفاق على أهداف واضحة.
إن السؤال الأهم، إذن، ليس لماذا لم ننتصر فحسب، بل ماذا تعلمنا من إخفاقنا؟ هل امتلكنا الشجاعة للاعتراف بأخطائنا، أم اكتفينا بتبريرها؟ وهل نحن مستعدون لتغيير الوسائل التي أثبتت فشلها، أم سنظل أسرى تجاربنا السابقة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كانت الهزيمة ستتحول إلى بداية جديدة، أم ستبقى حلقة أخرى في سلسلة من الخيبات.
ربما لم ننتصر لأننا اختلفنا حين كان ينبغي أن نتوحد، واعتمدنا على الحماسة حين كان علينا أن نخطط، وبررنا الأخطاء حين كان الواجب أن نصححها. وربما واجهنا أيضاً ظروفاً صعبة تجاوزت إمكاناتنا. لكن ما لا ينبغي أن نفعله هو الاستسلام لهذه الأسباب، أو تحويلها إلى مبررات تمنعنا من التقدم.
فالنصر لا يبدأ يوم ترتفع الرايات، بل يوم نمتلك شجاعة مواجهة الحقيقة، ونتعلم من أخطائنا، ونجعل الإنسان وكرامته ومصلحة المجتمع أساساً لكل مشروع نسعى إليه. إن الهزيمة الحقيقية ليست أن نخسر معركة، بل أن نخرج منها دون أن نفهم لماذا خسرنا، ثم نعود إلى الطريق نفسه منتظرين نصراً لن تصنعه إلا إرادة التغيير.