من «ما معناش» إلى «أمرك يا غالي»: موسوعة الدبلوماسية اليمنية في الهروب من المساعدة والعودة إليها
حين ترتفع سماعة الهاتف في بلاد السعيدة، وتشرع في استجداء عطف مواطن يمني تطلبه في حاجة، فإنك لا تتصل برقم هاتف عادي، بل تفتح نافذة على مسرح العبث الكوني الذي يدار ببراعة مذهلة. تبدأ المعزوفة دائماً بنبرة صوت تكاد تقطر دماً ودموعاً، نبرة تحس معها أن الرجل لم يكتفِ بإعلان إفلاسه، بل أعلن للتو وفاة الاقتصاد العالمي، وتوقف نبض الحياة على كوكب الأرض.
تقول له بلطف ومحبة: «يا فلان، والله معي شغله بسيطة، أستعجلها منك وتكسب فينا ثواب»، فيأتيك الجواب من أعماق بئر سحيقة، بصوت أشبه بحشرجة احتضار جماعي: «يا أخي، والبيت خالٍ، والعيال حولت أصواتهم لصفير من الجوع، وما فيش معنا لا حيلة ولا قوة، والحمد لله على قضاء الله وقدره، والله يعينك وتدبر حالك بعيداً عنا». تكاد تبكي لحاله، وتشعر بالذنب لأنك تجرأت واقتربت من بوابات مأساته، وتهمُّ بإغلاق الخط متوسلاً العفو والمغفرة.
ولكن، ما إن تهمَّ بوضع الهاتف مكانه حتى ينقشع سحاب المأساة، وينفتح الستار عن الفصل الثاني من المسرحية، فيعود إليك صوته حماسياً، منشرحاً، يملأ الدنيا بهجة وحبوراً، صارخاً بكل كرم العرب وأصالتهم: «أي خدمات يا غالي؟
أي حاجة تحتاجها؟ احنا تامر، اعتبر الموضوع منتهي، بس اشر بيدينك واحنا حاضرين!». هنا يقف العقل البشري عاجزاً عن الفهم، متلبكاً أمام هذه الكيمياء الاجتماعية الفريدة، فتكاد تصرخ في وجهه مذهولاً: «يا ابن الحلال، ما احنا قد قلنا لك قبل ثوانٍ معدودة إننا بحاجتك، وأنت قلت لي ما فيش وميت وما فيش حولك قوة؟!»،
ليرد عليك ببرود عجيب وابتسامة عريضة لا ترها ولكن تشمها في نبرة صوته: «يا أخي اذكر الله، احنا حبيت أتأكد بس، ولا بيننا وبينك إلا الطيب!».
إنها الفلسفة اليمنية العميقة في إدارة التوقعات، حيث يبدأ كل شيء بالنفي المطلق لترتاح أنت نفسياً من ضغط الطمع، وتنتهي الخدمة بإثبات الوجود المطلق لتشعر أنت أنك ملك متزعم للكون.
اليمني لا يمنحك الخدمة إلا بعد أن يجعلك تعبر صراط اليأس، وتتذوق مرارة الحرمان، وتتيقن تماماً أنك وحدك في هذا العالم الفسيح، ثم يفاجئك فجأة بأنه كان يملك الحل طوال الوقت، لكنه أراد فقط أن يمارس طقوس "التخويف المسبق" التي لا غنى عنها في أي بروتوكول اجتماعي محترم. وهكذا، تخرج من المكالمه وأنت تحتار: أتسجد شكراً لأنك حصلت على ما تريد، أم تتصل بالإسعاف لعلهم ينقذونك من صدمة التحول السريع من قاع البؤس إلى قمة البذخ في العطاء؟