الجمعة، 07 أكتوبر 2022

ثقافة السلام في فكر ووجدان القادة


عندما يكون القائد داعية ومحرضا على الحروب والفتن والصراعات وحل الخلافات بالطرق العدوانية والعنيفة، فإن ذلك ليس دليل شجاعة ولا دليل قوة، وعندما يكون القائد داعية للسلام والتعايش السلمي وحل الخلافات بالطرق السلمية، فإن ذلك ليس دليل خوف ولا جبن، كما يحاول البعض تصوير هكذا مواقف كما يحلو له وكما ينسجم مع تفكيره وتوجهاته ومصالحه. والحقيقة أن تلك المواقف السابقة هي نتاج ثقافة تربى ونشأ عليها هذا القائد أو ذاك، وهي من ترسم معالم منهجه وسلوكه السياسي أو العسكري، وهي من تحدد مواقفه تجاه كل القضايا والمشاكل في هذه الحياة ، وكل ذلك يدفعنا إلى حقيقة مهمة قد يكون العديد من الناس غافلين عنها بسبب الثقافة المغلوطة والتعبئة الخاطئة، وهي أن الدعوة للسلام ليست بالأمر السهل بل إنها من الصعوبة بمكان، فهي تحتاج لشجاعة وقوة أكثر مما تحتاجها الدعوة للحرب. فمن السهل إعلان الحرب، لكن من الصعب إيقافها وتحقيق السلام. 
فدعاة السلام هم فقط القادة العظماء والحكماء الذين لديهم القدرة على كبح جماح  أهواء ونزوات وأطماع أنفسهم الشخصية والسلطوية، وهم الذين لديهم القدرة على ضبط دوافع أنفسهم الانتقامية والعدوانية ضد الآخر، بعكس حال دعاة الحروب والفتن الذين يخضعون وينساقون خلف أهوائهم ونزواتهم وإطماعهم الشخصية والسلطوية، والتي تدفعهم للاستخفاف بسفك الدماء وإزهاق الأرواح والفساد في الأرض واهلاك الحرث والنسل، والذين لا يمتلكون القدرة على ضبط دوافع الانتقام والعدوان والبطش ضد الآخر، فتحت عنوان الانتقام تدفع بهم نوازع الشر إلى ممارسة أبشع الجرائم والانتهاكات ضد الآخر، ومن هنا تتجلى عظمة وقوة أصحاب دعوات السلام فكبح نوازع الشر داخل النفس من أعظم وأقوى الأعمال البشرية على الإطلاق.
وهل ما عاشته وتعيشه البشرية من حروب وصراعات وفتن إلا النتيجة الطبيعية والمنطقية للخضوع لنوازع النفس الشريرة، التي تدعوا إلى الحرب والعنف والانتقام والعدوان التي حولت حياة البشر إلى آلام وأحزان ومآس، بسبب نتائج الحروب الكارثية والمأساوية، ولا يكسب من الحرب إلا فئة قليلة هم أمراء الحرب وتجارها، بينما يتجرع مرارتها الملايين من البشر. وهذا هو ما يدفع بالكثير من القادة إلى خوض الحروب، فهم من يحصدون مكاسبها جاهاً وسلطاناً ومجداً وثروة، وهم من تسجل الانتصارات بأسمائهم وهم من يشعرون بنشوة النصر والغلبة وقهر الآخر. كل ذلك يجعل خيارات الحرب هي المفضلة عند الغالبية من القادة، طمعاً في تحقيق المزيد من الانتصارات وكسب المزيد من الثروات، ولو على حساب مآسي ومعاناة الملايين من البشر.
كل تلك الإغراءات الشخصية والسلطوية الناتجة عن الحروب هي ما تجعل ثقافة الحرب والعنف هي السائدة والمسيطرة على تفكير واهتمام القادة على مر التاريخ، خصوصاً الذين نشأوا وتربوا في أحضان أسر حاكمة أو نافذة، فكل تعليمهم وثقافتهم يقوم على القوة والسيطرة وكيفية الحفاظ على السلطة والنفود والتي تعتبر بالنسبة لهم غاية في سبيلها يمكن استخدام كل الوسائل مهما كانت وكيفما كانت، وفي مقدمتها وسائل الحرب والعنف والقوة. ومن النادر أن يتم تعليم هكذا قادة ثقافة السلام والتعايش السلمي، ومن النادر أن يسلك هكذا قادة طريق السلام. لكن من النادر جداً أن يكون منهم دعاة للسلام وللتعايش السلمي ، ومن النادر جداً أن يتخلوا عن السلطة بشكل طوعي وسلمي، لأن هكذا مواقف تتطلب ثقافة سلام عالية وراقية وإيجابية، ومن يتمتع بهكذا صفات وخصال حضارية حتماً هو قائد متميز، نادراً ما بجود به الزمان. 
فكم هي البشرية اليوم في حاجة لقادة يحملون ثقافة السلام، ويدعون للسلام ويعملون من أجل السلام ويقدمون التنازلات والتضحيات في سبيل السلام، ويتخلون عن مناصبهم ومصالحهم من أجل السلام. لن أبالغ إذا قلت لو توفر للبشرية أو لشعب ما مثل هؤلاء القادة العظماء، فإن حياتهم ومستقبلهم حتماً سيكون زاهر ومشرق، وحتماً سينعمون بحياة حافلة بالسلام والوئام والمحبة والوفاق. وحتماً ستسود ثقافة السلام كل تفاصيل حياتهم، وستتلاشى ثقافة العنف والحرب والفوضى والقتل والكراهية من تفكيرهم وتصرفاتهم، وستكون المثالية والايجابية والمحبة والحضارية هي العنوان البارز لحياتهم ومستقبلهم.



الخبر السابق يتمنعون وهم راغبون.. عن "الفجر الكاذب"!
الخبر التالي الحوثي حول ملايين اليمنيين إلى رهائن

مقالات ذات صلة