ثلاث مسائل مهمة في خطاب العليمي
جاء خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، د. رشاد العليمي، ليلة البارحة، أمام الحكومة الجديدة، ليضع النقاط على الحروف، موجّهًا حديثه للوزراء: "انتهى شهر العسل قبل أن يبدأ، والميدان يا حميدان".
لقد وضع العليمي – من وجهة نظري – ملامح المرحلة في ثلاث مسائل مهمة؛ فلم يكن خطابه مجرد بروتوكول لتبادل التهاني، بل كان "إعلان طلاق" مع العجز، ومواجهة صريحة مع واقع لا يرحم. لقد قرر الرئيس أن يفك الارتباط مع "جمهورية الفنادق" ليعلن قيام "دولة الميدان". فالعودة إلى الداخل ليست نزهة، بل اعتراف بأن شرعية الحاكم تُنتزع من الداخل لا من الخارج. الدولة لا تُدار بـ "الريموت كنترول" من ردهات الفنادق والعزب، بل من تراب الأرض حيث أصحاب المصلحة من المنهكين وطوابير المواطنين الباحثين عن بصيص أمل لإنهاء معاناتهم التي طالت.
في المسألة المهمة الثانية، وصف الرئيس الشراكة مع السعودية بأنها "طريقنا الآمن". وهي رسالة لكل من يهوى القفز من السفينة، ولكل "بهلوانات" السياسة: «هذه الفرصة تاريخية»، وليست "حالة عاطفية"، بل مصير مشترك، و"التفريط" فيها ليس إلا مقامرة بمستقبل وطن بأكمله.
أما المسألة الثالثة، فقد التفت الرئيس إليها بسخرية لاذعة، وسماها «ضجيج السوشيال ميديا»، كأنه يستلهم فكرة الكاتب الصحفي الكبير مصطفى أمين بأن المعارك الحقيقية يخوضها الجوعى في صمت، بينما المعارك الوهمية يمولها المترفون خلف الشاشات. المواطن الذي "تتقاذفه الأزمات والمليشيات" لا يملك فاتورة الإنترنت ليشتري "علامة زرقاء"، أو لتمويل مطابخ الإشاعات. فالضجيج يصدر دومًا من "المتخمين" لا من "المقهورين".
لقد طالب الرئيس العليمي الحكومة، وهي تبدأ مهامها، بـ "التفكير خارج الصندوق"، وقالها بوضوح: «ليس أمامكم سوى العمل.. ثم العمل.. ثم العمل». وأضاف: «المقياس كيف تقدم خدمة للمواطن»، وكأنه يهمس في آذانهم: لقد شبع الناس خطابات، وهم اليوم ينتظرون خدمات ملموسة تُحسن واقعهم المعيشي، لا وعودًا في بيانات.
المواطن هو "الصندوق" الحقيقي؛ فإذا لم يجد الناس في جيوبهم ثمن الخبز والدواء، وفي بيوتهم ضوء الكهرباء، ستظل كل هذه الخطابات مجرد "حبر على ورق". إنها الفرصة الأخيرة: إما أن تتحول هذه الحكومة إلى "غرفة عمليات" للحلول من الداخل لتصنع نموذجًا يُحترم، أو أنها ستظل مجرد "تغيير كراسي" في حافلة معطلة. الميدان هو الحكم، والتاريخ لا يرحم من يكتفي بالفرجة!