النتائج السلبية للقراءة المجتزأة للمشهد السياسي
يعتقد البعض أن الحديث عن الأمور السياسية أمرٌ سهل، وهذا في الحقيقة غير دقيق؛ لأن السياسة علم قائم بذاته، قد يكون من العلوم الإنسانية غير الخاضعة للتجارب المعملية والتطبيقية كما هو حال العلوم التطبيقية كالفيزياء والرياضيات وغيرها، لكنه يظل علمًا له نظرياته ومداخله ومناهجه. فقراءة المشهد السياسي لهذه الدولة أو تلك تتطلب قراءة شاملة وكاملة من جميع الزوايا: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمذهبية… إلخ.
كما تتطلب هذه القراءة فهم الظروف والبيئة المحيطة بذلك المشهد، وتأثيرها عليه على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية كافة؛ لأن الاكتفاء بقراءة المشهد على المستوى الداخلي فقط يجعل النتائج سطحية ومجتزأة وبعيدة عن الواقع، خصوصًا في ظل تصاعد حدة التدخلات والتفاعلات الإقليمية والدولية في الشؤون الداخلية للدول، وتأثيراتها المباشرة عليها بحسب ميزان القوة. فالدول الأقوى تتدخل وتؤثر بشكل مباشر في سياسات الدول الضعيفة بما يحقق مصالحها ويضمن تنفيذ مشاريعها.
لذلك، من الخطأ قراءة المشهد السياسي الداخلي لأي دولة بمعزل عن التأثيرات والمتغيرات الخارجية الإقليمية والدولية. ومن الخطأ كذلك تحميل طرف سياسي أو قائد بعينه المسؤولية الكاملة عن الاختلالات أو الإخفاقات في ذلك المشهد. وهذا ما حدث بالفعل خلال فترة نكبة ما سُمّي بالربيع العربي؛ حيث جرى التعامل مع المشهد السياسي في الدول العربية المتأثرة به بقراءة مجتزأة وناقصة، من خلال التركيز على الفاعل السياسي الداخلي فقط، وتحميله كامل المسؤولية عن الاختلالات الحاصلة، دون الالتفات إلى التأثيرات الكبيرة للفاعلين الإقليميين والدوليين.
تلك القراءة المجتزأة والناقصة لبّت في حينها طموحات قوى المعارضة لتنفيذ أهدافها بإسقاط الأنظمة العربية القائمة، وكان تفكيرها آنذاك تفكيرًا لحظيًا، محصورًا في طموح الوصول إلى السلطة، دون مراعاة للتداعيات السلبية المترتبة على ذلك الفعل.
وما حدث، وما يزال يحدث، من تداعيات سلبية وكارثية في الدول التي ضربتها نكبة الربيع العربي، هو نتاج مباشر لتلك القراءة المجتزأة والناقصة للمشهد السياسي، ونتيجة لذلك التفكير اللحظي النفعي الذي لم يمنح القائمين على تلك المؤامرة فرصة للتفكير في حجم وتداعيات ما بعد إسقاط الأنظمة العربية القائمة. وكأن قوى المعارضة التي انخرطت في ذلك الربيع كانت في عجلة من أمرها، أو كأن ما حدث كان فرصة طال انتظارها، ولم تكن ترغب في تفويتها مهما كان الثمن، ومهما كانت النتائج، بعد أن حصلت على ضوء أخضر من فاعلين دوليين، خصوصًا من وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك هيلاري كلينتون، التي كانت قد زارت المنطقة العربية قبل أحداث الربيع العربي بفترة قصيرة، مطلقة إشارات فُهمت على أنها الضوء الأخضر الذي كانت تنتظره قوى المعارضة العربية لإسقاط الأنظمة القائمة.
لتتفاجأ هذه القوى، بعد وصولها إلى السلطة، بضغوط وتدخلات إقليمية ودولية هائلة تفوق قدراتها وإمكاناتها، وتدرك – ولكن بعد فوات الأوان – أنها لم تقرأ المشهد السياسي كما ينبغي، وأنها كانت مجرد أدوات استُخدمت من قبل الفاعلين الإقليميين والدوليين لتنفيذ مشاريعهم ومخططاتهم التقسيمية في المنطقة.
وكم كان سيكون جميلًا لو أن قوى المعارضة طالبت بإجراء إصلاحات سياسية حقيقية، وعملت على سحب البساط من تحت أقدام الأنظمة الحاكمة بالطرق السلمية والدستورية؛ فهناك فرق شاسع بين إصلاح النظام وإسقاط النظام. وهذه هي النتيجة الطبيعية والكارثية لعدم قراءة المشهد السياسي قراءة صحيحة.
وفي الأخير، لم يستفد من الربيع العربي المشؤوم سوى قيادات في المعارضة وبعض ناشطي الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما خسرت غالبية الشعوب المنكوبة – بمن فيهم المغرر بهم الذين انخرطوا في ذلك الحراك – الكثير والكثير، ليقف الجميع في نهاية المطاف أمام فاجعة وكارثة عصفت بكل ما هو جميل في حياتهم.