الإخوان في اليمن: بين الشعارات والواقع .. سؤال المشروع الغائب
منذ عام 2011م دخل اليمن مرحلة مفصلية من تاريخه السياسي، كانت كفيلة بإعادة تعريف الأدوار وفرز القوى، وكشف حقيقة المشاريع التي تحملها الأحزاب والتيارات المختلفة. وفي قلب هذه التحولات برز حزب التجمع اليمني للإصلاح – الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن – كلاعب رئيسي في المشهد، لكنه ظل محل جدل واسع بشأن أدائه، ومشروعه الوطني، وحقيقة أهدافه.
أول ما يثير التساؤل هو غياب المبادرة التشريعية الواضحة. فمنذ 2011م، ورغم الحضور السياسي والإعلامي الكثيف، لم يقدّم الحزب مشروعًا وطنيا لإعادة بناء الدولة. فالدول تُبنى بالقوانين والمؤسسات، لا بالشعارات والخطابات التعبوية. وكان المنتظر من حزب يرفع لواء “الإصلاح” أن يترجم ذلك إلى مبادرات تشريعية واضحة تعالج قضايا الحكم الرشيد، والعدالة الانتقالية، وإعادة هيكلة الدولة.
كما يوجّه منتقدون لأحزاب اللقاء المشترك، وفي مقدمتها الإصلاح، اتهامات بالارتهان للدعم الخارجي، معتبرين أن جزءًا من تمويلها السياسي والإعلامي مرتبط بدعم من بعض الدول العربية، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول استقلالية القرار السياسي الوطني. فالسيادة لا تتجزأ، والعمل الحزبي الوطني يفترض أن يكون منطلقه المصلحة اليمنية أولًا وأخيرًا.
وفي سياق نكبة 11 فبراير 2011م، دخلت بعض القوى السياسية ساحات الاحتجاج ليس بدافع مشروع وطني خالص، بل سعياً إلى إعادة توزيع النفوذ واقتناص مكاسب سياسية, وكان حزب الإصلاح في مقدمة تلك القوى التي أحسنت قراءة اللحظة، لا باعتبارها فرصة لإنقاذ الدولة، بل باعتبارها نافذة تاريخية للتمدد وإحكام القبضة.
لم يكن الخطاب العلني لحزب الإصلاح يختلف عن شعارات الدولة المدنية والعدالة والشفافية، غير أن سلوكه السياسي كشف عن ازدواجية واضحة: فبينما كان يتحدث باسم الثورة، كان يعيد ترتيب تحالفاته التقليدية خلف الكواليس، ويهيئ نفسه لوراثة جزء من السلطة عبر تسوية سياسية لا تمس جوهر منظومة النفوذ. .
وهكذا تحول الحلم الشعبي بالتغيير للأفضل إلى عملية تدمير لكل المنجزات
أما على الصعيد العسكري، فتحول الجيش الوطني خلال سنوات الحرب إلى مساحة نفوذ حزبي، فيما أداء العسكري شابَه إخفاقات كبيرة، سواء في إدارة المعارك أو في توحيد القرار.
السؤال الجوهري يظل: ماذا يريد الإصلاح؟
هل يسعى إلى دولة مدنية حديثة تتسع للجميع، أم إلى إعادة إنتاج نموذج حزبي ذي مرجعية أيديولوجية ضيقة؟
ما هي بواعثه الفكرية والسياسية اليوم؟
وهل تطورت رؤيته بما يتلاءم مع تعقيدات الدولة اليمنية المتعددة الأبعاد؟
كما يؤخذ على الخطاب الحزبي – في مراحل مختلفة – اعتماده على التعبئة الدعائية، وتصعيد الخصومات السياسية إلى مستويات من التخوين والتشهير. فقد شهدت الساحة اليمنية حملات إعلامية حادة ضد خصوم سياسيين، بما في ذلك الحزب الاشتراكي في مراحل سابقة، وهو ما عمّق الاستقطاب وأضعف فرص التوافق الوطني. السياسة التي تُدار بروح الثأر أو بمنطق الغلبة لا تبني دولة، بل تعمّق الشروخ.
الانتهازية السياسية تظل أحد أخطر أمراض الحياة الحزبية. فعندما يتحول العمل العام إلى وسيلة للتمكين التنظيمي بدلاً من خدمة الصالح العام، تتآكل الثقة الشعبية. واليمن، الذي أنهكته الحروب والانقسامات، لم يعد يحتمل مشاريع ملتبسة أو أجندات غير واضحة.
إن المرحلة الراهنة تفرض على جميع القوى – وفي مقدمتها الإصلاح – مراجعة صريحة وعميقة. المطلوب ليس مجرد خطاب جديد، بل ممارسة مختلفة: شفافية في التمويل، استقلال في القرار، وضوح في المشروع، وفصل حقيقي بين العمل الحزبي ومؤسسات الدولة، خصوصًا العسكرية منها.
اليمن بحاجة إلى أحزاب وطنية تتنافس في تقديم الحلول لا في احتكار المشهد، تتسابق في بناء الدولة لا في تقاسمها. ومن دون مشروع وطني جامع، سيظل أي حزب – مهما بلغ حجمه – جزءًا من الأزمة لا جزءًا من الحل.