الربيع العربي .. من وهم التغيير إلى كارثة التفكيك والدمار
تدور الشهور والسنون مثقلةً بذكريات ما سُمّي زورًا بـ«الربيع العربي»، ذلك الربيع الذي لم يحمل معه سوى الخراب والدمار والتفكيك، وترك بصماته القاسية على عدد كبير من الدول العربية، ولا سيما الدول التي عُرفت بمواقفها الرافضة للمشاريع الصهيونية والممانِعة للهيمنة الخارجية.
قبل نحو خمسة عشر عامًا، كانت الأمة العربية تعيش حالة من الاستقرار السياسي والأمني النسبي، وتشهد حراكًا تنمويًا واقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا ملحوظًا، إلى جانب تقارب قومي وتماسك في المواقف، خاصة في دعم القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. غير أن هذه المرحلة لم تكن لتروق للكيان الصهيوني وحلفائه من بعض حكومات ومنظمات الغرب، الذين أعدّوا العُدّة لإشعال فتيل الفوضى ونقل المنطقة إلى مرحلة من الكوارث والمآسي والنكبات.
جاء ما سُمّي بالربيع العربي مستوردًا في فكره وأدواته، ومدعومًا ومُدارًا من الخارج، لا يحمل مشروع إصلاح حقيقي بقدر ما كان مشروع فوضى منظّمة. فتم توجيه الشارع نحو التمرّد، وقطع الطرق، ومهاجمة المنشآت والمؤسسات الحكومية المدنية والعسكرية، ونهب الثروات الوطنية، والعمل على تمزيق وتدمير المؤسسات العسكرية والأمنية العربية، وصولًا إلى إسقاط أنظمة الدولة وإدخالها في دوّامات من الفوضى والانقسام.
وقد أسفر هذا المسار عن كوارث عميقة في المنطقة العربية، تمثّلت في نزاعات مسلحة وحروب أهلية مدمّرة وطويلة الأمد، كما في سوريا وليبيا واليمن والسودان، رافقها تدمير واسع للبنية التحتية، وتفكك مؤسسات الدول، وانتشار الإرهاب والتطرّف، وتآكل النسيج الوطني، وتصاعد خطاب الكراهية والصراعات الطائفية والمناطقية. كما شهدت هذه الدول انهيارات اقتصادية حادّة، وارتفاعًا غير مسبوق في نسب الفقر والبطالة، وتدهورًا كبيرًا في مستويات المعيشة، ما أدّى إلى أزمات إنسانية خانقة، وحالات لجوء ونزوح داخلي وخارجي غير مسبوقة.
ولا شكّ أن المستفيد الأكبر من هذه الكوارث كان الكيان الصهيوني، الذي رأى في تمزّق الأمة العربية وضعفها فرصة تاريخية لتعزيز نفوذه وفرض وقائع جديدة على حساب القضايا العربية المصيرية. لقد تحوّلت آمال الشعوب في الحرية والعدالة والديمقراطية وبناء الدولة المدنية الحديثة إلى واقع مأزوم، تسوده الفوضى والقتل والنهب والظلم والفقر والجوع والمرض وانعدام الاستقرار.
إن نظرة متأنّية إلى واقع شعوب دول «الربيع العربي» اليوم كفيلة بكشف حجم التدهور الذي أصاب مختلف مناحي الحياة، وتؤكد أن ما جرى لم يكن ربيعًا للإصلاح، بل خريفًا قاسيًا ما زالت الأمة العربية تدفع أثمانه حتى اليوم.