اليمن: اختزال الوطن في "ملف" ومساومة على السيادة الوطنية

منذ 3 ساعات
مشاركة الخبر:

تُختزل المأساة اليمنية المعاصرة ليس فقط في أتون الحرب والصراع الدائر، بل في الطريقة التي يُصيَّر بها وطنٌ يمتد تاريخه لآلاف السنين إلى مجرد "ملف" يُناقش على طاولات الموظفين في عواصم اقليمية و دولية ، متجاهلةً مكانته التاريخية والحضارية.

إن اليمن ليس مجرد خبر عابر أو بند ثانوي في اجتماعات مغلقة، بل هو سجلٌ حضاري يسبق رسم الخرائط الحديثة للمنطقة، بدءاً من ممالك سبأ وحِمير، مروراً بمعجزة سد مأرب، وصولاً إلى مدينة صنعاء القديمة التي تشهد حجارتها على تراكم معرفي يمتد لأكثر من عشرة آلاف عام، وهو ما يُختزل اليوم بعبارة "الملف اليمني" التي تحمل معاناة شعب كامل بسبب صراع أشعلته مليشيا مسلحة ارهابية عنصرية و سلالية وعميلة وخاينة لوطنها.

من المؤلم أن بعض القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا، تتعامل مع اليمن باعتباره جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع، وليس كدولة ذات سيادة كاملة يقطنها أكثر من أربعين مليون إنسان. فبات النقاش يدور حول امتدادات الحسابات الأمنية الخاصة بجهات أخرى، وكأن القرار اليمني لا يُسمع إلا عبر وسيط إقليمي، مما ينفي حقه في مخاطبة العالم مباشرة.

أما بعض الدول الإقليمية، وتحديداً بعض الدول العربية التي تربطها باليمن جغرافيا وتاريخ ومصالح، فتتعامل معه بوصفه ساحة أمنية و"حديقة خلفية"، لا دولة مستقلة كاملة الأهلية السياسية. وبينما لا يمكن إنكار تعقيدات الأمن المشترك، فإن تحويل بلد عريق إلى "ملف تابع" يُعد استنقاصاً صريحاً لسيادته وكرامته الوطنية بعد أن سُلِب قراره الأساسي.

السيادة الحقيقية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي حق أصيل في اتخاذ القرار الوطني بعيداً عن أي وصاية خارجية. والسياسة، في جوهرها، هي إدارة مصائر الشعوب، وعندما يُختزل شعب بأكمله في ورقة تفاوض، تصبح الكرامة الوطنية هي أول الخاسرين في هذه المعادلة.

الخطأ لا يكمن في اعتراف العالم بأهمية موقع اليمن الجغرافي، بل في إنكار إرادته المستقلة؛ فالخطأ يكمن في مناقشة قضاياه في غيابه ورسم مستقبله في غرف مغلقة، ثم مطالبة اليمنيين بالتوقيع على ما لم يشاركوا في صياغته. إن استعادة السيادة تعني ببساطة إعادة الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية، بحيث يكون القرار في صنعاء وعدن وتعز ومأرب و حضرموت و المهرة، وليس في عواصم بعيدة.

يبقى اليمن تاريخاً وحضارة وهوية، وليس مجرد "قضية أمنية" تُدار عن بعد. ومن يتناسى أن الأوطان أكبر من مجرد ملفات تُغلق في الأدراج، فإنه يخاطر بخسارة احترام الشعوب قبل أن يخسر رهاناته السياسية، وسيظل اليمن وطناً يرفض الاختزال والتهميش.