رمضان في اليمن: عام جديد من المعاناة تحت وطأة الانقسام السياسي والاقتصادي

رمضان في اليمن: عام جديد من المعاناة تحت وطأة الانقسام السياسي والاقتصادي
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

يحل شهر رمضان المبارك هذا العام على اليمنيين في ظل استمرار الانقسام السياسي بين سلطتين متنازعتين، مما يفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية، ويجعل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الاستنزاف المستمر. ففي مناطق سيطرة الحوثي الارهابية، يتحول الشهر إلى موسم لتكثيف الجبايات تحت مسميات دينية واجتماعية و طائفية سلالية، بينما تعاني المحافظات الجنوبية، تحت إدارة الحكومة المعترف بها، من تأخر مزمن في صرف الرواتب وتدهور الخدمات الأساسية.

في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، تسبق حلول الشهر حملات تحصيل واسعة النطاق. ورغم رفع شعارات "الدعم المجتمعي" و"الزكاة"، يشير التجار وأصحاب الأعمال إلى فرض رسوم غير رسمية متعددة المستويات، تبدأ من نقاط التفتيش وتصل إلى أبواب المحلات، مما يؤدي إلى تضخم غير مبرر في أسعار المواد الاستهلاكية يتحمله المستهلك النهائي.

ويؤكد ناشطون اقتصاديون غياب الشفافية التام في آليات التحصيل، حيث لا تُنشر أي بيانات واضحة حول إجمالي الإيرادات أو أوجه الإنفاق، في وقت تعاني فيه القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم من نقص حاد في الموارد الأساسية. يضاف إلى ذلك استمرار تقاضي الموظفين الحكوميين أنصاف رواتب أو رواتب متقطعة لسنوات، مع استمرار المطالبة منهم بالمساهمة في الحملات الموسمية وسط مناخ يسوده الخوف من التعبير عن الاعتراض.

أما في العاصمة المؤقتة عدن، وتحديداً ضمن مناطق نفوذ الحكومة الانتقالية، فتتجلى الأزمة في تأخر صرف المستحقات المالية عن الأشهر الماضية لمنتسبي الأجهزة العسكرية والأمنية، رغم المبررات المتعلقة بشح الموارد وصعوبات التحويلات المالية. هذا التأخير أدى إلى تآكل الثقة في المؤسسات الحكومية، فضلاً عن ظهور تفاوت ملحوظ في المخصصات المالية بين الوحدات العسكرية والأمنية المختلفة، مما يثير شعوراً بالغبن لدى أسر الشهداء والجرحى.

ينعكس هذا الانقسام السياسي مباشرة على الاقتصاد الوطني عبر سياسات نقدية متضاربة وإدارة منفصلة للإيرادات، مما ساهم في تراجع قيمة العملة وارتفاع مستمر في معدلات التضخم. وفي ظل هذا الواقع، تعتمد آلاف الأسر على التحويلات الخارجية التي لا تكفي لتغطية الاحتياجات المعيشية الأساسية.

تتجسد المأساة اليومية في قصص أسر تعيش على الحد الأدنى للبقاء، حيث تضطر ربات الأسر إلى تقنين الطعام إلى أجزاء ضئيلة لإطعام أطفالهن، أو جمع الحطب للطهي بعد نفاد مصادر الطاقة الأخرى. وفي ظل هذه الظروف، تتصاعد الدعوات الاجتماعية لتخفيف مظاهر الإسراف في الولائم الرمضانية التقليدية، حفاظاً على كرامة الأسر التي تخفي أوضاعاً معيشية صعبة.

ويؤكد مراقبون أن الاختبار الأخلاقي لأي سلطة يكمن في قدرتها على حماية الفئات الأكثر ضعفاً. وفي حين يطالب المواطنون في الشمال بوقف الجبايات غير القانونية، تتزايد المطالب في الجنوب بانتظام صرف الرواتب وتوحيد المعايير لضمان العدالة الأساسية بين جميع المواطنين، وهو ما يظل رهن إرادة سياسية حقيقية لإنهاء هذا الواقع المعيشي القاسي.