قوى النفوذ والهيمنة.. والتجربة الديمقراطية في اليمن

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

إن ما يحدث اليوم في اليمن بشكل عام من صراعات وحروب وانقسامات وتدخلات خارجية وانهيار اقتصادي وفشل تعليمي وفساد مالي وإداري وتراجع حضاري، هو الوضع الطبيعي لمجتمع يعاني الكثير من السلبيات في مختلف المجالات. مجتمع لم يستفد من الفرص المتعددة التي سنحت له، والتي كان بالإمكان استغلالها للتغيير نحو الأفضل، وتحقيق المزيد من المكاسب السياسية والتنموية والحضارية، والانطلاق نحو مساحات واسعة من الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة والبناء والتنمية.  

وكان ،ولا يزال، وسيظل، لقوى النفوذ بمختلف أنواعها (الدينية والقبلية والمذهبية والطائفية... إلخ) الدور الأكبر في إفشال وإحباط كل المساعي الهادفة إلى خدمة المجتمع اليمني وتطوره وتقدمه؛ لأن مصالح هذه القوى واستمرارية نفوذها وهيمنتها تتعارض مع أي دعوات أو مبادرات أو مشاريع أو أفكار مدنية وقانونية وحضارية وتقدمية. لذلك فهي لا تألو جهدًا في إفشالها أو تشويهها أو محاربتها أو شيطنتها، وقد تلجأ إلى اختراقها أو السيطرة عليها. فالمسألة بالنسبة لها مسألة وجود وبقاء ومصالح ونفوذ، فلا مكان لها في دولة يحكمها النظام والقانون والمساواة والعدالة والحرية والديمقراطية، وهذه خطوط حمراء لا يمكن أن تقبل بحضورها أو تواجدها بأي حال من الأحوال.  

فعلى سبيل المثال، بعد الوحدة اليمنية في عام 1990م، تبنّى دستور الجمهورية اليمنية النظرية الديمقراطية التعددية كوسيلة للتداول السلمي للسلطة، وبموجب ذلك تم إنشاء الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها. فرأت قوى النفوذ في ذلك خطرًا كبيرًا عليها قد يسحب البساط من تحت أقدامها، فبادرت باحتواء الأحزاب السياسية والاستحواذ عليها، وصولًا إلى الاستفراد بقيادتها، وعملت على تفريغها من محتواها وحرف مسارها والابتعاد بها عن برامجها وأهدافها وغاياتها.  

فإذا كانت الغاية من الأحزاب السياسية، حسب النظرية الديمقراطية، هي التنافس في خدمة الشعب، فإن قوى النفوذ استغلتها كوسيلة لدعم نفوذها وتعزيز هيمنتها، وجعلت منها أداة للمناكفات والابتزاز السياسي والسلطوي. كما جعلت من حرية الصحافة وسيلة لتشويه الخصوم والتشهير بهم ونشر الإشاعات وتضخيم سلبيات السلطة الحاكمة. وقد تسبب كل ذلك في فشل الأحزاب السياسية اليمنية بسبب خروجها عن أهدافها وغاياتها.  

حتى الانتخابات، على كل المستويات المحلية والبرلمانية، كانت مخرجاتها تصب بنسبة كبيرة لمصلحة قوى النفوذ، حتى إن بعض الأسر النافذة حصدت العديد من مقاعد البرلمان (أسرة الأحمر أنموذجًا)، في صورة تعكس مدى سطوتها على الجماهير الواقعة في مناطق نفوذها، وتعكس أيضًا حالة الجهل والتخلف المنتشر بين أفراد الشعب في تلك المناطق، وكأن مناطق اليمن عبارة عن إقطاعيات تابعة ومملوكة لتلك القوى.  

وبدلًا من مواجهة وانتقاد قوى النفوذ، تم انتقاد النظام السياسي، وبدلًا من المطالبة بكبح جماح تلك القوى وتحجيم نفوذها وإلزامها باحترام النظام والقانون، تمت المطالبة بإسقاط النظام السياسي الديمقراطي التعددي (غباء سياسي غير مسبوق). بل لقد وصل الحال بمن يسمون أنفسهم ثوار فبراير إلى جعل رموز النفوذ القبلي والعسكري، ورموز الفساد والفوضى والعبث، قادة لثورتهم المشؤومة تلك (حاميها حراميها).  

وخلال التجربة الديمقراطية الوليدة في اليمن، وصل الحال في بعض المناطق إلى ممارسة قوى النفوذ التهديد والوعيد لكل من يقف أمامها أو يترشح ضد رموزها. وهذه السياسة ليست جديدة، بل هي سياسة قديمة استخدمتها تلك القوى في كل المراحل التاريخية. فبعد الثورة اليمنية في 26 سبتمبر 1962م، وبمجرد البدء في تكوين قوات الجيش والأمن، بادرت قوى النفوذ بتولي أعلى المناصب القيادية فيها كغنيمة حرب. وحتى المناصب الإدارية والمحلية الهامة في مختلف أجهزة الحكومة ظلت حكرًا على رموزها أو التابعين والموالين لها.  

بل لقد وصل الحال إلى أن الموظف اليمني لم يكن يستطيع الحصول على درجة مدير عام وما فوق إلا بتزكية من رموز قوى النفوذ في منطقته، وكان لجهل الشعب وتخلفه وخضوعه وتبعيته ودعمه وتعصبه لمراكز تلك القوى في مختلف المناطق اليمنية الدور الأكبر في حدوث ذلك.  

ورغم استحواذ قوى النفوذ على كل شيء داخل اليمن، وهيمنتها وسيطرتها على الحكومة والسلطة والقرار والقوة والثروة، إلا أنها كانت تشعر بالقلق في ظل استمرار التجربة الديمقراطية، وفي ظل توسع وانتشار العملية التعليمية، التي قد تشجع المواطن اليمني، مع مرور الأيام، على التمرد عليها والخروج عن نطاق سيطرتها وهيمنتها.  

فما كان منها إلا إعلان انقلابها على النظام السياسي الديمقراطي في فبراير 2011م، من خلال الدفع بالمغرر بهم من الشباب وعناصر الأحزاب الواقعة تحت سيطرتها إلى الخروج للشوارع للمطالبة بإسقاط النظام الديمقراطي التعددي، وهو ما يظهر حالة الفشل والغفلة التي وصلت إليها جماهير تلك الأحزاب. وهذه هي النتيجة الطبيعية عندما تسلم الأحزاب السياسية قيادتها وقرارها لقوى النفوذ، التي جعلت منها أداة لتصفية حساباتها مع خصومها، وأداة لتحقيق أطماعها السلطوية، حتى لو ترتب على ذلك إسقاط النظام الديمقراطي التعددي وإدخال الوطن في دوامة الحروب والصراعات والأزمات والانقسامات.  

وخلاصة القول: لن ترى اليمن النور والاستقرار والتقدم واللحاق بركب الحضارة البشرية ما دامت قوى النفوذ بمختلف أنواعها هي من تتحكم في مصيرها وقرارها. وما يثير الدهشة هو قدرة تلك القوى، في كل المراحل، على التماهي مع الأوضاع واحتواء المتغيرات وتبديل الولاءات حسب المرحلة والسلطة الحاكمة.  

حتى لو جاءت قيادات تحلم بالتغيير والتصحيح، سرعان ما تتلاشى أحلامها وطموحاتها بعد أن تجد نفسها محاطة بنفس الوجوه ونفس القوى ونفس الأساليب ونفس السياسات. فلا جدوى ولا فائدة من أي برامج حزبية أو مشاريع سياسية أو خطط تنموية أو تقدمية، إذا كان المنفذون والقائمون عليها لا يرغبون في نجاحها وتطبيقها على أرض الواقع كما يجب.