التجارة بالأديان في التاريخ البشري ..!!

منذ يومين
مشاركة الخبر:

إن التجارة بالأديان كانت تجارة رائجة منذ قديم الزمن، وإن تعددت أساليبها ووسائلها، وإن تعددت الآلهة فيها. واستغلال الجانب الروحي لدى الإنسان كان سبيلها لتحقيق أهدافها وغاياتها، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، كل ذلك رغم ما جاءت به الأديان السماوية من توضيح وبيان وتحذير من استغلال الجانب الروحي استغلالاً سلبياً لتحقيق أغراض مادية أو مصالح دنيوية أو مطامع سلطوية.  

لكن تجار الأديان عبر التاريخ البشري لم تعيقهم الحيلة من الالتفاف على الموانع الشرعية للإتجار بالدين، من خلال التأويلات والتفسيرات والروايات، ومن خلال التدليس والكذب، وصولاً إلى التحريف المباشر في الكتب السماوية المقدسة، كما حدث في التوراة والإنجيل.  

ليتحول رجال الدين والقساوسة في اليهودية والمسيحية إلى تجار دين من الطراز الأول، حيث منحوا لأنفسهم الحق في إصدار صكوك الغفران وتوزيع مفاتيح الجنة مقابل مبالغ مالية كبيرة. وفي المجال السياسي، تقاسموا السلطة مع الملوك بحيث يكون لهم سلطة التصرف في كل ما يتعلق بالشؤون السماوية والروحية، وللملوك سلطة التصرف في كل ما يتعلق بالشؤون الأرضية والمادية، في علاقة تكاملية استبدادية بين الطرفين، ضحيتها الدين والمواطن.  

وفي تجسيد للصورة السلبية للكهانة الدينية، التي كانت سائدة في عصور تاريخية غابرة، سواء في الحضارة الفرعونية القديمة أو في الحضارة الفارسية القديمة، كانت الكهانة بمثابة القوة المخدرة للشعوب، من خلال غرس ثقافة العبودية والخنوع والخضوع في أفكارهم باعتبارها جزءاً من الثقافة الدينية. بل لقد وصل الحال في بعض الحضارات إلى تقديس الحاكم ومنحه صفات الألوهية، كما كان سائداً في الحضارة الفرعونية (الفرعون الإله)، أو في الحضارة الفارسية الساسانية (كسرى نسل الآلهة).  

لذلك، لن نبالغ إذا قلنا بأن التجارة بالأديان كانت وما تزال في بعض المجتمعات هي التجارة الأكثر رواجاً والأكثر ربحية في عالم التجارة والاقتصاد، وليس ببعيد تلك المحاولات المستمرة لبعض تجار الدين في التاريخ الإسلامي، وفي مقدمتهم فقهاء السلطة في كل زمان ومكان، الذين عملوا على تسخير الدين في خدمة الحاكم من خلال إصدار الفتاوى والأحكام والتشريعات التي تتناسب مع توجهاته وتلبي رغباته ونزواته.  

ونظراً لأن القرآن الكريم قد حفظه الله تعالى من التحريف والتبديل، ونظراً لوضوح آياته وأحكامه غير القابلة للتفسير والتأويل خارج سياقاتها ومعانيها، لجأ تجار الدين وفقهاء السلطة ومناصري المذاهب والطوائف والزنادقة إلى الأحاديث النبوية التي لم تُدوّن إلا بعد مرور قرن من الزمان على وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، فكتبوا مئات الآلاف من الأحاديث ونسبوها كذباً وزوراً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وجعلوا منها مادة تجارية رائجة، حللوا من خلالها ما يريدون وحرموا ما يريدون، حتى تم مراجعة وتصحيح البعض منها المطابقة لكتاب الله تعالى.  

لكن رغم ذلك، لا تزال هناك الكثير من الأحاديث الضعيفة تلقى رواجاً، خصوصاً تلك التي تؤيد هذا المذهب أو ذاك، أو التي تدعم هذه الطائفة أو تلك، أو التي تؤيد السلطة الاستبدادية والقمعية الفردية، أو التي تدعو إلى الطاعة العمياء للسلطان، أو التي تحرم المسلمين من حقهم في الشورى والمشاركة السياسية.  

ويبدو أن التجارة بالأديان ظاهرة لا يمكن تجاوزها، نظراً لارتباطها الوثيق بالسلطة السياسية، التي لن تستطيع الاستمرار في السيطرة على مشاعر الجماهير بدونها، خصوصاً في المجتمعات التي لا تزال تعاني من التخلف والجهل والفقر. وما قامت به الثورة العلمية في أوروبا إلا إعلاناً صريحاً من المجتمع الأوروبي برفضه للتجارة بالأديان، وذلك من خلال عزل السلطة الدينية عن السلطة الدنيوية، وصولاً إلى منع السياسيين من استغلال الدين لتحقيق مصالحهم وأطماعهم السلطوية. وقد لقيت هذه النظرية رواجاً واسعاً ونجاحاً كبيراً على كل الأصعدة.  

لكن الوضع يختلف في الإسلام، لأنه لا يمكن فصل الجانب الديني عن الدنيوي؛ فالإسلام دين ودولة. لكن يبدو أن هناك أحزاباً وجماعات إسلامية تسعى لاستغلال الدين لبناء الدولة التي تريد، وبالمواصفات التي تريد، والتي تحقق أهدافها المذهبية ومصالحها الدنيوية وتلبي أطماعها السلطوية، وليس الدولة التي ينشدها الإسلام، القائمة على العدالة والشورى والمساواة وحق الشعب في اختيار حكامه وعزلهم، الدولة الإسلامية القائمة على التعدد والتنوع الإيجابي، الدولة الإسلامية التي لا مكان فيها للكهانة والخرافات والأساطير والتجارة بالدين، الدولة الإسلامية التي تقدس الشرع وتحترم العقل وتدعم العلم والتعليم باعتباره مفتاح الرقي والسبيل نحو اللحاق بركب الحضارة، الدولة الإسلامية التي يكون الحاكم فيها مجرد خادم للرعية، يحمى حرياتهم ويحافظ على حقوقهم ويسهر لتوفير الأمن والأمان والحياة الكريمة لهم.