قوى النفوذ والهيمنة.. وصناعة الفوضى!!
لا جدال ولا نقاش بأنه كلما قويت شوكة الدولة، وبسطت سيطرتها على كل أراضيها، وفرضت النظام والقانون على كل مواطنيها، كلما تراجع حضور قوى النفوذ والهيمنة، وكلما تلاشت سطوتها، والعكس صحيح. فإضعاف الدولة وغياب النظام والقانون هو ما ترغب به وتسعى إليه قوى النفوذ والهيمنة في كل زمان ومكان؛ فهي من تقوم بسد الفراغات التي تظهر عندما تكون الدولة ضعيفة ومهزوزة، وعندما يغيب النظام والقانون، بالطريقة التي تناسبها والتي تساهم في زيادة قوتها وتعاظم سطوتها على المواطنين الواقعين في مناطق نفوذها. لذلك لا تتوقف قوى النفوذ والهيمنة عن العمل بكل الوسائل لإضعاف مركز الدولة؛ فلا تتردد في دعم العصابات الإجرامية، وقطاع الطرق، واللصوص، والإرهابيين، وكل الأعمال والأفعال التي تساهم في إقلاق السكينة العامة والسلم الاجتماعي، والتي تُظهر الدولة في موقف ضعيف؛ ليتسنى لها الظهور والحضور كبديل عن الدولة والنظام والقانون.
وكانت، ولا تزال، وستظل قوى النفوذ والهيمنة هي العائق الأكبر والأخطر أمام ظهور وحضور الدول المركزية القوية، خصوصاً في دول العالم الثالث التي لا تزال تعاني من التعصبات القبلية، والدينية، والمذهبية، والطائفية، والمناطقية، التي تجعل منها قوى النفوذ والهيمنة مدخلاً لاكتساب المزيد من القوة والحضور والفاعلية، مدعومة بأعداد كبيرة من المتعصبين والجهلة، الذين تتحكم فيهم تعصباتهم وتسيطر على تفكيرهم وقرارهم، لدرجة قد تدفع بهم للموت في سبيل ذلك. وكلما زاد عدد المتعصبين والجهلة في مناطق حضور وهيمنة قوى النفوذ، كلما زادت سطوتها وزاد جبروتها، ويتلاشى حضورها وجبروتها في المناطق المدنية والحضرية، التي عادةً ما يلجأ القاطنون فيها إلى النظام والقانون وأجهزة الدولة. فقوى النفوذ والهيمنة تقوى وتتوسع في المجتمعات البدائية الجاهلة والمتخلفة، والعكس صحيح. لذلك تعمل بكل جهد على إعاقة وإفشال العملية التعليمية في مناطق نفوذها بكل الوسائل؛ لأنها ترى في التعليم، والمتعلمين، والمثقفين، والمتنورين العدو الأول، وهو ما يدفع بها لمحاربتهم على كل الأصعدة والمستويات.
وكانت قوى النفوذ والهيمنة، ولا تزال، وستظل حجر العثرة أمام انتقال المجتمعات البشرية من البدائية والرجعية إلى رحاب المدنية والحداثة. لذلك، من الصعوبة بمكان قيام الدولة المدنية الحديثة، دولة النظام والقانون والديمقراطية والعدالة والمساواة، من دون القضاء على قوى النفوذ والهيمنة والتسلط بكل أشكالها وأنواعها ومسمياتها؛ لأنها لن تتوقف عن محاربة دولة النظام والقانون بكل الطرق والوسائل، ولن تتوقف عن دعم كل الأفعال والأعمال التي تعرقل مسيرة الدولة المدنية الحديثة، ولن تتوقف عن تأليب المتعصبين والمؤيدين لها والمستفيدين منها ضد الدولة المدنية الحديثة عبر الإشاعات الزائفة، وعبر استخدام الدين والعادات والتقاليد لتشويهها وتخويف الناس منها، وإعلان الحرب ضدها إن استدعى الأمر ذلك.
وقد تتحالف القوى الدينية، والقبلية، والمناطقية، والطائفية، وحتى العسكرية، والمتطرفة، والإرهابية، ضد الدولة المدنية الحديثة، وضد النظام والقانون والديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة، كما حدث في اليمن في فبراير 2011م؛ حيث اجتمعت كل تلك القوى في صعيد واحد، مطالبة بإسقاط النظام الجمهوري التعددي، ومطالبة بالقضاء على التجربة الديمقراطية الوليدة، التي كانت تهدف إلى جعل الشعب يحكم نفسه بنفسه، والتي كانت تعمل على سحب البساط من تحت أقدام قوى النفوذ والهيمنة بشكل تدريجي، والتي كانت تهدف إلى تحرير الشعب من سطوتهم وجبروتهم. ولكن الأغبياء، والحمقى، والمتعصبين من مختلف الأطراف، والأحزاب، والمناطق، انجروا خلف تلك المؤامرة السياسية، ووقفوا بجانب قوى النفوذ والهيمنة ضد المشروع الجمهوري الديمقراطي التعددي، ووقفوا بجانب قوى الفوضى والعبث والفساد ضد مشروع دولة النظام والقانون، وتسببوا في كل الانتكاسات السلبية التي يعيشها المجتمع اليمني اليوم، بعد أن وقع فريسة بيد قوى النفوذ والهيمنة بكل أنواعها؛ لتمارس ضده كل صور القهر، والظلم، والاستبداد، والقمع، والابتزاز، والفساد، والعبث، والفوضى في كل مناطق اليمن، ولتتحول اليمن من مشروع دولة قوية واحدة وموحدة، إلى مشروع دويلات مقسمة، وممزقة، ومتصارعة، ومتحاربة.