سياسة انتقائية النقل والاقتباس
إن الباحث والمهتم بالفكر السياسي الإسلامي سوف يلاحظ على الفور أن أنظمة الحكم الإسلامية المتعاقبة، منذ ما بعد الخلافة الراشدة وحتى اليوم، قد قامت بالنقل والاقتباس الحضاري من الأمم والحضارات الأخرى، لكنها انتهجت في ذلك سياسة انتقائية؛ إذ سمحت بنقل واقتباس الكثير من الأفكار والنظريات المتعلقة بالجوانب الاستهلاكية والفلسفية والطبية والعلمية، ومنعت نقل واقتباس الأفكار والنظريات المتعلقة بالفكر السياسي، وخصوصًا تلك التي ظهرت خلال ازدهار الحضارة اليونانية (كالحرية، والنظام، والقانون، والمشاركة الشعبية في الحكم... إلخ).
وذلك رغم الانفتاح الثقافي الكبير الذي رافق توسع الدولة الإسلامية، خصوصًا خلال فترة حكم الدولة العباسية، حيث قام الخليفة المأمون بتشجيع العلماء والمفكرين على نقل واقتباس وترجمة الكثير من الكتب والمؤلفات الموجودة لدى الحضارات الأخرى، ومنها مؤلفات الفلاسفة الإغريق القدماء كسقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم، في شتى مجالات المعرفة الإنسانية والعلمية والطبية. لكن عند مراجعة وقراءة مؤلفات المفكرين العرب في المجال السياسي خلال تلك الفترة التاريخية، يُلاحظ غياب كل ما له علاقة بالأفكار والنظريات السياسية الإغريقية القديمة.
وهو ما يؤكد حالة الانتقائية في النقل والاقتباس والترجمة التي كانت تنتهجها أنظمة الحكم في العالم الإسلامي خلال تاريخها الطويل، والتي لا تزال تسير عليها حتى اليوم. فرغم النهضة العلمية والفكرية الكبيرة التي شهدتها الحضارة الغربية في شتى مجالات الحياة، ومنها المجال السياسي الذي شهد ظهور العديد من النظريات السياسية التي ساهمت بشكل كبير في تطور الفكر السياسي الغربي، وكان لها دور كبير في النهضة العلمية والحضارية التي شهدتها المجتمعات الغربية، وفي مقدمتها النظرية الديمقراطية التي جعلت الشعوب الغربية تحكم نفسها بنفسها، وأرست قواعد التداول السلمي للسلطة، وأبعدتها عن شبح الخلافات والحروب والصراعات الداخلية.
إلا أن العديد من أنظمة الحكم في العالم العربي والإسلامي أعلنت الحرب على النظرية الديمقراطية الحديثة، حيث شجعت مفكريها وفقهاءها على انتقادها وتشويه صورتها، رغم أن هذه الأنظمة قد فتحت ذراعيها لنقل واقتباس كل مخرجات الحضارة الغربية في المجالات الأخرى. بل ذهبت إلى التقليد الحرفي للكثير من البروتوكولات الحياتية الغربية، وخصوصًا الاستهلاكية منها كالمأكل والمشرب والملبس.
ليصبح كل ذلك النقل والتقليد والاقتباس من الحضارة الغربية، فيما يتعلق بالمجالات الحياتية غير السياسية، مرحبًا به سواء على مستوى السلطة أو المجتمع، بينما يظل النقل والتقليد والاقتباس في المجال السياسي أمرًا مرفوضًا وغير مرحب به. فتنتشر مظاهر الثقافة الغربية في المدن العربية والإسلامية، ويُلاحظ الاستهلاك الكبير للمنتجات التجارية والصناعية الغربية التي تملأ الأسواق، لكن لا تُشاهد مظاهر أو فعاليات لها علاقة بالفكر السياسي الغربي. فكل ما له علاقة بالسياسة ونظام الحكم بالنسبة لأغلب الأنظمة العربية والإسلامية يعد خطًا أحمر قديمًا وحديثًا، وهو ما يؤكد استمرار هذه الأنظمة في سياسة الانتقائية في النقل والاقتباس الحضاري بما يتوافق مع توجهاتها الفكرية والسياسية.
لذلك كان ولا يزال الفكر السياسي العربي والإسلامي يعيش حالة من الركود والجمود، لأنه لم ينل حقه من البحث والدراسة اللازمة لتطويره وتحديثه بما يواكب تحديات وتطورات ومستجدات العصر، التي تتطلب مساحات واسعة من حرية الفكر والرأي والبحث، وهي مساحات تكاد تكون غير متوفرة لدى أنظمة الحكم.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن هذه الأنظمة، وخلال تاريخها الطويل، فتحت الباب واسعًا للاجتهاد والبحث في كثير من التشريعات والأحكام الدينية، فترى كتب الفقه تفرد مؤلفات وأبحاثًا كاملة حول مسائل كـ"الطهارة" مثلًا، بينما لا تجد إلا عددًا محدودًا من السطور التي كُتبت على استحياء حول "الشورى" الإسلامية، التي تُعد من أهم الأسس التي يرتكز عليها نظام الحكم الإسلامي، والتي تمنح الشعوب حق المشاركة في اختيار الحكام بصورة أو بأخرى. قال تعالى: ((وأمرهم شورى بينهم)).
خلاصة القول: تنتهج أنظمة الحكم العربية والإسلامية سياسة الممانعة والرفض للنظريات والأفكار السياسية، وهي سياسة تُعد سببًا رئيسيًا في تفشي ظاهرة الصراعات والحروب والفتن والانقلابات في المجتمعات العربية والإسلامية، كما ساهمت في جمود وركود الفكر السياسي العربي والإسلامي، نتيجة القيود والمحاذير الكثيرة المفروضة على البحوث والدراسات في المجال السياسي.