ذكرى ميلاد علي عبدالله صالح: إرث الوحدة والتنمية والاستقرار في ذاكرة اليمنيين قبل أن تسلبه الفوضى

ذكرى ميلاد علي عبدالله صالح: إرث الوحدة والتنمية والاستقرار في ذاكرة اليمنيين قبل أن تسلبه الفوضى
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

في الحادي والعشرين من مارس عام 1942، وُلد اليمن زعيماً استثنائياً، هو علي عبدالله صالح، الذي حمل على عاتقه آمال شعبٍ بأكمله، وعزيمة صلبة سعت لتحويل اليمن من ظلمات الاستبداد إلى فجر الحرية والتقدم. نشأ صالح كأي طفل يمني في زمن قاسٍ، حيث كانت طفولته مرتهنة لقيود الفقر والجهل والمرض التي فرضها الكهنوت، وهو إرث ثقيل ورثه اليمنيون جيلاً بعد جيل، لكن هذا الطفل لم يستسلم لقدره.

لم يرضَ الزعيم الراحل أن يكون مجرد رقم في سجل الظلام الإمامي، بل اشتعلت في قلبه شرارة الحرية لتنير ليل الكهنوت. كانت تلك الشرارة هي التي قادته ليكون أحد مشاعل ثورة سبتمبر المجيدة، الثورة التي مزقت قيود الاستبداد ونقلت اليمنيين من عصور التخلف إلى رحاب القرن العشرين، مؤسسةً بذلك بوابة الانعتاق والتحرر الوطني.

لم يتصدر الشهيد الزعيم المشهد السياسي فور اندلاع الثورة، بل كان عضواً فاعلاً في النخبة العسكرية التي ساهمت في صنع التغيير، وبرز دوره بوضوح خلال حصار السبعين. ثم جاء اليوم الذي سطع فيه نجمه ليصبح مركز المشهد اليمني؛ ففي السابع عشر من يوليو 1978، تولى القيادة، ليتحول إلى شرارة التغيير التي اتسعت لتشمل كل اليمنيين، حاملةً حلم المستقبل الذي يملأ خارطة الوطن بالأمل والحياة.

شهد عهد الزعيم بصمات تنموية لا تُمحى، حيث عاشت اليمن فترة ذهبية من حيث الاستقرار والتنمية. امتدت شبكات الطرق والمطارات، وانتشرت المدارس والجامعات والمراكز الصحية في أرجاء البلاد. كما شهدت تلك الفترة ازدهاراً في وسائل الإعلام، وحرية غير مسبوقة في التعددية الحزبية والشراكة السياسية، مما أتاح للمواطن اليمني هامشاً من الحرية لم يشهده اليمنيون قبله ولا بعده.

كان علي عبدالله صالح قائداً شعبياً وسياسياً وعسكرياً محنكاً، تميز بحكمة في التعامل مع الصعاب بروح براغماتية، يوازن بين القوة والحكمة، مؤمناً بأن الحلول الوسطى والتوافقات هي السبيل الحقيقي لاستقرار اليمن. لطالما حذر من مخاطر الفوضى والتمزق، ومن عودة المشاريع الماضوية والاستعمارية والانفصالية، ومن جر قوى الخارج إلى الداخل، وهو ما تجسد لاحقاً على يد الميليشيات التي سطت على مؤسسات الدولة محاولةً إعادة هيمنة الكهنوت بالقوة.

اليوم، وفي ذكرى ميلاده، يستذكر اليمنيون الزعيم الشهيد ليس فقط كقائد عسكري، بل كرمز للوطنية والوحدة والاستقرار. إنه رمز الرجل الذي أحب شعبه وأخلص للوطن، ورفض أن تُقسم البلاد أو تُمزق سيادتها. ورغم ما قد يسجله التاريخ من ملاحظات، يظل إرثه الوطني شامخاً في الذاكرة اليمنية، حكاية قيادة استثنائية صنعت وطناً قبل أن تغيب شمسه خلف غيوم الميليشيات المسلحة.

إن اليمنيين اليوم، وبين مشاعر الحزن والأسى، يتذكرون المشاريع العملاقة التي تحققت على أرض الواقع، ويتلمسون أثرها في وحدة الأرض والإنسان، وفي هامش الحرية الذي أتاحته حكومته، وفي الأفق المفتوح نحو المستقبل الذي لم يغب إلا بعد رحيله. ويظل الدرس واضحاً: أن استقرار اليمن وازدهاره لا يتحقق إلا بقيادة وطنية حكيمة وعزيمة لا تلين.