علي عبد الله صالح… الغياب الكبير

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

تمرّ ذكرى ميلاد الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح رحمة الله عليه، هذا العام، لا بوصفها مناسبةً للتمجيد، ولا ساحةً للخصومة والعراك، بل كمحطةٍ صادقةٍ للاستذكار، والتأمل في معنى الغياب أمام الذات؛ حيث تخفت الضوضاء، وتنحسر الآمال في تبدّل المشهد إلى حالٍ أفضل، لتبقى الحقيقة وحدها صامدة… ذكرى ميلادٍ طيبة لا تغيب.
لقد كان الراحل صالح، صاحب تجربة طويلة في النضال والعمل العام، ابنَ بيئته، وقائدًا برز من عمق الجغرافيا اليمنية وتعقيداتها. صلبًا شامخًا، متسلحًا بفطرةٍ سياسية، وإرادةٍ لا تهاب التحديات ولا ترتجف أمام المخاوف. فهم واقعه كما هو، لا كما يُتمنّى، وتعامل معه بمرونة ودهاء القائد. لم يكن مثاليًا، لكنه كان حاضرًا في لحظاتٍ كان الغياب فيها يعني الانهيار.
حقق العديد من المشاريع والمنجزات، وفي مقدمتها منجز الوحدة؛ ذلك الحلم الذي تحوّل إلى حقيقة، والحدث الذي أعاد لليمن اعتباره في التاريخ بعد شتاتٍ وحروب. لم تكن الوحدة مجرد توقيع اتفاق، بل إعادة صياغة وطن، وتشكل دولة بحجم الحلم اليمني الذي طال انتظاره، رغم ما أحاط بها من تعقيدات وتحديات.
وفي عهده، بدأت ملامح الدولة الحديثة تتشكّل، ولو ببطء؛ من استكشاف النفط والغاز، إلى توسيع التعليم، وتحسين الخدمات، وبناء بنية تحتية كانت – في حينها – خطوة إلى الأمام في بلدٍ مثقلٍ بالأعباء. كما فُتح المجال أمام التعددية السياسية، وارتفع سقف حرية الرأي والصحافة، في تجربةٍ لم تخلُ من التعثر، لكنها لم تفقد الأمل.
وحين نقف اليوم على أطلال الواقع المرير، لا بد أن يتسلل السؤال المؤلم: ماذا خسر اليمن؟ وماذا افتقد؟
ليس ذلك حنينًا أعمى إلى ماضٍ مجهول، بقدر ما هو إدراكٌ لحجم الانتكاسة؛ فقد تراجعت الدولة، واتسعت معاناة الناس، وضاقت سبل العيش، حتى بدا الأمس – بكل ما فيه من نواقص – أقل قسوة من حاضرٍ مثقلٍ بالخذلان.
ومع ذلك، فإن الإنصاف لا يكتمل دون الاعتراف بأن تلك التجربة، رغم ما حققته، لم تخلُ من بعض  الأخطاء ، لكن، بين الأخطاء والمنجزات، يبقى الأثر…
أثرُ رجلٍ كان حاضرًا في تفاصيل الدولة، وفي ذاكرة الناس، وفي لحظات التحوّل الكبرى، تاركًا بصمةً لا تُمحى، وخطوطًا يصعب تجاوزها.
في ذكرى ميلاده، لا نملك إلا أن ننظر إليه بعيونٍ أقل انفعالًا وأكثر صدقًا؛ أن نُنصفه دون أن نُقدّسه، وأن نتعلّم من تجربته دون أن نُكرّرها، وأن نبني بدلًا من أن نهدم. وأن نعيد النظر في مشروعه السياسي، ونتوقف عند تحذيراته، ومحاولاته التقليل من صدمة السقوط، في ظل التباينات والصراعات التي عصفت بالبلاد.
فالرجال يرحلون… لكن ليس كل رحيلٍ سواء.
رحيلٌ يترك في القلب فراغًا، وفي الروح وجعًا، وفي حاضر الوطن سؤالًا مفتوحًا…
وفي الذاكرة أملًا بأن القادم قد يكون أجمل، حين يكون للميلاد معنى، وللرجال مكانة، وللوطن اعتبار.