نحو نظام عربي جديد للأمن القومي

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

التحولات الإقليمية الأخيرة كشفت هشاشة منظومة الأمن العربي القائمة، مؤكدة أن بناء نظام عربي جديد للأمن القومي لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار وحماية مصالح الدول العربية جميعها، خصوصًا في ظل تصاعد التحديات الأمنية إلى مستويات غير مسبوقة، وتنامي التهديدات التي تستهدف دول الخليج العربي، واستمرار الهجمات تحت ذرائع متعددة.  

هذا الواقع يفرض إعادة طرح سؤال جوهري: هل لا يزال مفهوم الأمن القومي العربي يُدار بمنطق ردود الأفعال، أم أن اللحظة الراهنة تستدعي إعادة نظر شاملة تُفضي إلى بناء منظومة أمن عربي فاعلة قادرة على حماية الدول ومواجهة التحديات التي تفوق قدرة أي دولة بمفردها؟  

لقد أثبتت التجارب أن الاعتماد على القوى الخارجية لحماية الأمن القومي لم يحقق الاستقرار المنشود، بل أسهم في إضعاف العمل العربي المشترك وأعاق تبني مشاريع فاعلة للأمن والدفاع العربي ضمن إطار جامعة الدول العربية. وهو ما يطرح اليوم تساؤلًا ملحًا: هل يدرك العرب ضرورة صياغة نظام عربي جديد يُفعّل العمل المشترك، ويعيد الاعتبار لاتفاقيتي الأمن والدفاع العربي المشترك كإطار عملي للأمن الجماعي بعيدًا عن الاعتماد الخارجي؟  

ولا يغيب عن الذاكرة أنه قبل أكثر من عقد، طرح الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، خلال القمة العربية في ليبيا عام 2010، مبادرة استراتيجية دعت إلى تحويل الجامعة العربية إلى اتحاد فاعل للدول العربية في صنع القرار، وتفعيل الدفاع العربي المشترك كأداة ردع حقيقية، وبناء قدرة جماعية لمواجهة التهديدات الإقليمية.  

واليوم، تبدو الحاجة إلى تلك الرؤية أكثر إلحاحًا في ظل بيئة إقليمية مضطربة، تتداخل فيها الصراعات المسلحة، وتتباين فيها المصالح، وتتسع معها فجوة الاعتماد على القوى الخارجية، مما يجعل إعادة بناء منظومة الأمن العربي أولوية لا تحتمل التأجيل.  

إن تفعيل اتفاقيتي الأمن والدفاع العربي المشترك، وإنشاء قوة عربية سريعة التدخل، إلى جانب تطوير آليات التنسيق الاستخباراتي والسياسي، يمثل حجر الزاوية لأي مشروع جاد لحماية الأمن القومي العربي. كما أن تعزيز التكامل الدفاعي العربي من شأنه الحد من الاختراقات الخارجية واستعادة التوازن الاستراتيجي في المنطقة.  

وفي هذا الإطار، يظل الدور المصري ركنًا محوريًا في تنشيط العمل العربي المشترك، بحكم ما تمثله مصر من ثقل تاريخي وحضاري وسياسي وعسكري، فضلًا عن التزامها الثابت بقضايا الأمن القومي العربي.  

أما على مستوى القيادة المؤسسية، فإن المرحلة المقبلة تفرض على جامعة الدول العربية الانتقال من دور المنسّق إلى دور الفاعل. وفي حال شهدت الأمانة العامة انتقالًا قياديًا وبرزت أسماء دبلوماسية وازنة، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في كفاءة الأشخاص بقدر ما سيكون في مدى توافر الإرادة السياسية العربية لتفعيل العمل المشترك وتحويل الرؤى إلى سياسات تنفيذية.  

وفي سياق التطورات الراهنة، تبرز الدعوات الدولية للتهدئة، بما في ذلك الهدنة التي طُرحت مؤخرًا بدعم من دونالد ترامب، كمؤشر على إدراك متزايد لمخاطر التصعيد في المنطقة. ومع ذلك، فإن التعويل على مثل هذه المبادرات، بصرف النظر عن مآلاتها بين التهدئة المؤقتة أو استئناف التصعيد، لا يغني عن بناء مقاربة عربية مستقلة للأمن الجماعي تستند إلى الفعل المشترك، وتحصّن القرار العربي من الارتهان للتوازنات الدولية المتغيرة.  

إن ما طرحه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح لم يكن مجرد خطاب، بل رؤية استشرافية لاستعادة الفاعلية العربية، تقوم على قاعدة راسخة مفادها أن الأمن القومي العربي كلٌّ لا يتجزأ.  

لقد حان الوقت للانتقال من التصريحات إلى الأفعال، ومن التنسيق الشكلي إلى الشراكة الحقيقية، وإعادة النظر في المبادرات السابقة، وترجمتها عمليًا بحيث يصبح الأمن العربي مشروعًا جماعيًا متكاملًا، قادرًا على مواجهة التحديات وصناعة الاستقرار.