تحرير الدولار الجمركي في اليمن: بين ندرة العملات الأجنبية وتفاقم الانقسام الاقتصادي
أعادت الحكومة اليمنية فتح النقاش الاقتصادي والمالي مجددًا بعد إعلانها ما وصف بقرار "تحرير الدولار الجمركي"، وهو قرار أثار حالة واسعة من الجدل والقلق في الشارع اليمني، خصوصًا في ظل الانهيار المستمر للعملة المحلية، وتراجع القوة الشرائية، وتفاقم الأزمة الإنسانية والمعيشية في بلد يعيش واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في المنطقة.
وفي جوهره، لا يتعلق القرار فقط برفع الرسوم الجمركية بالمعنى التقليدي، بل بإعادة النظر في آلية احتساب سعر الدولار المخصص للتجار ضمن الاعتمادات البنكية الخاصة باستيراد السلع، حيث كانت بعض الواردات تستفيد من سعر صرف مدعوم أو تفضيلي توفره الدولة أو البنك المركزي مقارنة بسعر السوق الفعلي، وقبل الخوض في تداعيات القرار، لا بد من فهم الدوافع المباشرة التي قادت إليه؛ إذ لا يمكن فصل هذا الإجراء عن الضغوط المتزايدة التي تواجهها الحكومة لزيادة إيراداتها الذاتية، وسط مؤشرات على أن المانحين الدوليين وصندوق النقد الدولي باتوا يشترطون خطوات ملموسة نحو توحيد سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية كشرط لاستمرار تدفق حزم الدعم المالي، وهكذا، تجد الحكومة نفسها بين مطرقة شروط المانحين وسندان الأزمة المعيشية المتفاقمة.
وخلال السنوات الماضية، مثلت سياسة الدولار المدعوم إحدى الأدوات التي حاولت الحكومة والبنك المركزي استخدامها لتخفيف الضغوط التضخمية والحفاظ على الحد الأدنى من استقرار أسعار السلع الأساسية، خصوصًا مع اعتماد اليمن شبه الكامل على الاستيراد الخارجي لتوفير الغذاء والدواء والاحتياجات اليومية، ولكن في غياب الشفافية، خلقت هذه السياسة أيضًا سوقًا سوداء للاعتمادات المدعومة استفادت منها شبكات فساد، وأضرت بصغار المستوردين بينما حابَت كبار التجار المتنفذين، و من هنا، ولكي لا يُفهم التحليل وكأنه رفض مطلق للقرار، تجدر الإشارة إلى أن استمرار هذا الدعم الواسع، في ظل غياب الموارد الكافية، كان سيؤدي حتماً إلى إفلاس البنك المركزي، وانقطاع كامل للدعم عن القمح والدواء، وصولاً إلى سيناريو انهيار شامل أخطر.
غير أن هذه السياسة أصبحت تواجه تحديات متزايدة مع استمرار تراجع الاحتياطيات من العملات الأجنبية، وتوقف صادرات النفط، وتراجع تدفقات النقد الأجنبي، في وقت تتزايد فيه فاتورة الاستيراد والالتزامات الحكومية بصورة مستمرة.
وفي الواقع، فإن الاقتصاد اليمني يعيش اليوم أزمة مزدوجة تتمثل في ندرة العملات الأجنبية من جهة، وأزمة سيولة حادة بالريال اليمني من جهة أخرى، وهي معادلة معقدة أدت إلى اختلالات واسعة في الأسواق والقطاع المصرفي وحركة التجارة، فالدولة لم تعد تمتلك التدفقات الدولارية التي كانت تعتمد عليها قبل الحرب، سواء من صادرات النفط والغاز أو من الاستثمارات والتحويلات المنتظمة، بينما يعتمد البنك المركزي بصورة متزايدة على الودائع والمنح الخارجية أو التدخلات المحدودة في سوق الصرف للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار النقدي.
وفي المقابل، تعاني الأسواق المحلية والمصارف من أزمة سيولة نقدية حادة بالريال اليمني، نتيجة الانقسام المالي والمصرفي، وتآكل الثقة بالقطاع البنكي، واتجاه كثير من المواطنين والتجار إلى اكتناز العملات الأجنبية أو الاحتفاظ بالسيولة خارج الجهاز المصرفي، وهنا تكمن أحد أخطر أوجه الأزمة وأكثرها إلحاحاً: تحويلات المغتربين. فالتدهور المستمر في سعر الريال، وتوسع الفجوة بين سعر البنك المركزي والسوق الموازية، يدفع المغتربين - وهم شريان الحياة الأساسي لملايين الأسر ومصدر حيوي للعملة الصعبة - إلى إرسال أموالهم عبر شبكات الصرافة غير الرسمية للحصول على سعر أفضل، وهذا بدوره يحرم البنك المركزي من تدفقات دولارية حيوية، ويدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة: ندرة أكبر في العملات الأجنبية، فمزيد من التدهور، فمزيد من العزوف عن القنوات الرسمية.
وهنا تبرز خطورة أي إجراءات تتعلق بتحرير الدولار الجمركي أو تقليص الدعم الضمني لسعر الصرف، لأن السوق قد تفسرها باعتبارها مؤشرًا على تراجع قدرة البنك المركزي على الاستمرار في توفير الدولار المدعوم أو الدفاع عن استقرار العملة المحلية، وفي الاقتصادات الهشة، لا تتحرك الأسواق فقط وفق القرارات الرسمية، بل وفق التوقعات النفسية والمخاوف المستقبلية، ولذلك فإن أي إشارات إلى تقليص الدعم أو ارتفاع تكلفة الاستيراد غالبًا ما تدفع التجار والمضاربين إلى زيادة الطلب على الدولار تحسبًا لمزيد من التدهور في سعر الصرف. وليس كل التجار سواء في هذا المضمار؛ فهناك كبار المستوردين الذين يمتلكون الملاءة المالية للتعامل مع الصدمات، وربما الاستفادة من الفوضى بالمضاربة على العملة، بينما يُدفع صغار التجار، الذين يشكلون العمود الفقري للأسواق المحلية اليومية، خارج الحلقة أو إلى حافة الإفلاس، مما يعمق أزمة الاحتكار.
ومن هنا، فإن أحد أخطر السيناريوهات المحتملة يتمثل في أن يؤدي القرار إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية مقابل تراجع الطلب على الريال اليمني، وهو ما قد يسرّع من انخفاض قيمته في السوق، خصوصًا إذا لم يتمكن البنك المركزي من التدخل بفاعلية أو توفير احتياطيات كافية لطمأنة الأسواق، كما أن ارتفاع تكلفة الاعتمادات البنكية للتجار سيدفع كثيرًا من المستوردين إلى تحميل الفارق مباشرة على أسعار السلع، أو اللجوء إلى السوق الموازية للحصول على الدولار، الأمر الذي يزيد الضغوط على سوق الصرف ويرفع معدلات التضخم بصورة إضافية.
وفي الحالة اليمنية، تصبح خطورة تراجع العملة أكبر من مجرد قضية نقدية، لأن اليمن يستورد معظم احتياجاته الأساسية من الخارج، وبالتالي فإن أي انخفاض جديد في قيمة الريال ينعكس بصورة شبه مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والوقود والنقل والخدمات الأساسية. كما أن التضخم في اليمن لا يتحرك فقط بفعل العرض والطلب الطبيعي، بل يتأثر أيضًا بحالة الانقسام السياسي والاقتصادي، وتعدد مراكز الجباية، وضعف الرقابة، واحتكار بعض السلع، وهي عوامل تجعل موجات الغلاء أكثر حدة وأسرع انتشارًا.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار الازدواج الجمركي بين مناطق الحكومة الشرعية ومناطق سيطرة الحوثيين، حيث تُفرض رسوم إضافية على البضائع التي تكون قد دفعت الرسوم أصلًا في الموانئ الواقعة تحت إدارة الحكومة، الأمر الذي يحول السلعة الواحدة إلى مصدر جباية متكرر بين أكثر من سلطة. بل إن ما يحدث هو انقسام أعمق يصل إلى صميم السياسة النقدية: فبينما تتجه الحكومة نحو "تحرير" مضطرب، تفرض سلطات الأمر الواقع في صنعاء سعر صرف جمركياً ثابتاً ومختلفاً تماماً، وتحظر تداول الإصدارات النقدية الجديدة من الريال. هذا الواقع يعني أن اليمن يعيش تحت نظامين نقديين واقتصاديين متناحرين، مما يخلق تشوهات سعرية أكبر ويعمق الاتجار بالعملة بين المنطقتين كأحد أبرز وجوه الاقتصاد الحربي.
وهكذا، فإن المواطن اليمني لا يدفع فقط ثمن تراجع العملة أو ارتفاع الدولار الجمركي، بل يدفع أيضًا ثمن الانقسام الاقتصادي والإداري، وتعدد الجبايات، وغياب السوق الوطنية الموحدة.
وفي المقابل، حاولت الحكومة تخفيف المخاوف الشعبية عبر الإعلان عن بدل غلاء معيشة بنسبة 20 بالمئة لموظفي الدولة، وصرف العلاوات السنوية المتأخرة، غير أن هذه الإجراءات تبقى محدودة التأثير إذا استمرت أسعار الصرف والسلع في الارتفاع بوتيرة أسرع من نمو الأجور والدخول. كما أن ضخ زيادات مالية في السوق دون وجود نمو حقيقي في الإيرادات والإنتاج قد يؤدي بدوره إلى زيادة الكتلة النقدية المتداولة، وهو ما قد يضيف ضغوطًا جديدة على سعر الصرف إذا لم يقابله تحسن في تدفقات العملات الأجنبية. إن تمويل هذا البدل يتم في الغالب عبر الاستدانة من البنك المركزي أو طباعة نقد جديد دون غطاء من نمو الناتج المحلي، مما يمثل "تضخمًا بفعل الطلب" يُضاف إلى "التضخم المستورد" ويسرع من سرعة انهيار العملة التي يُراد تخفيف أثر انهيارها.
إن المشكلة الأساسية التي تواجه اليمن اليوم ليست فقط في كيفية تحصيل الإيرادات، بل في غياب اقتصاد حقيقي قادر على توليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة، فالدولة التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد، دون صادرات مستقرة أو قطاع إنتاجي فاعل، تبقى عرضة بصورة دائمة لأزمات العملة والتضخم والانهيار النقدي وانعدام السيولة.
ولهذا، فإن أي إصلاح اقتصادي حقيقي لا يمكن أن يقتصر على تحرير الدولار الجمركي أو تعديل سياسات الاستيراد، بل يحتاج إلى رؤية أوسع تشمل استعادة تصدير النفط والغاز اليمني وإعادة تشغيل مصفاة عدن والتحكم باستيراد وتوزيع المشتقات النفطية، وتوحيد المؤسسات المالية، وإصلاح القطاع المصرفي، والحد من الازدواج الجمركي، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، واستعادة الثقة بالنظام المالي والنقدي. ومفتاح الخروج من هذه الدوامة ليس فقط في عودة النفط، بل في تمكين القطاع الخاص الوطني الصغير والمتوسط، الذي يشكل 90% من النشاط الاقتصادي. يحتاج ذلك إلى حزمة عاجلة تشمل: ضمانات قروض للمستوردين الصغار، وتسهيلات ضريبية للمنتجين المحليين في قطاعات كالزراعة والثروة الحيوانية والسمكية وغيرها و التي تغذي السوق المحلي وتصدر بعض المنتجات، ومكافحة حقيقية لاحتكار كبار التجار للسلع الأساسية، وهو احتكار يتعزز في أوقات الأزمات.
فبدون معالجة هذه الاختلالات البنيوية، قد تتحول الإجراءات المالية الحالية، مهما كانت ضرورية من منظور الحكومة، إلى عامل إضافي يسرّع تآكل الريال اليمني ويعمّق الأزمة المعيشية التي يعيشها ملايين اليمنيين.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني
جامعة تعز