قاسم زبيدة .. الصوت الذي تربّى على الأصول والريادة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

يظل بعض الأشخاص جزءًا من ذاكرة المكان والوجدان، لا لأنهم مرّوا فحسب، بل لأنهم تركوا أثرًا لا يُمحى. ومن هؤلاء شيخ المنشدين الأستاذ الراحل قاسم زبيدة ـ رحمه الله ـ أحد أبرز الأصوات اليمنية التي شكّلت مدرسة فنية قائمة بذاتها، واسمًا ارتبط بالإنشاد اليمني الأصيل أينما ذُكر.

عرفتُ الأستاذ قاسم شابًا غضًّا في مقيل والدي وخالي علي قشعة ـ رحمهما الله ـ يحمل صوته الدافئ وأخلاقه الرفيعة، وقد وجد تشجيعًا كبيرًا من الوالد وأصدقائه بعدما لمسوا فيه موهبة استثنائية وحضورًا فنيًا مختلفًا.

فتح له ذلك التشجيع المبكر أبواب الوسط الثقافي والاجتماعي، وبدأ اسمه يلمع حتى أصبح أحد أبرز المنشدين، وصوتًا حاضرًا في معظم المناسبات والفعاليات العامة.

لم يكن زبيدة مجرد منشد، بل كان مؤسسًا وصاحب رؤية، إذ تولّى رئاسة جمعية المنشدين اليمنيين في نهاية الثمانينيات، كأول كيان ثقافي متخصص في توثيق التراث الإنشادي ونشره، إلى جانب عدد من زملائه، منهم الأخ والصديق العزيز علي محسن الأكوع، الرئيس الحالي للجمعية، واضعين بذلك إطارًا مؤسسيًا لحماية هذا الفن وتطويره، في وقت شهد اهتمامًا متزايدًا بتأسيس منظمات المجتمع المدني، لا سيما الثقافية والاجتماعية المعنية بالإبداع والفنون.

وتشرّفتُ في منتصف الثمانينيات بحضوره ضيفَ شرف في حفل زفافي، ثم حضر زفاف أخي بعد ذلك. كان حاضرًا في أفراح كثيرين وأحزانهم، رجلًا لطيفًا، دمث الخلق، يحمل فنه بأدب، ويحمل نفسه بتواضع.

وكان للأستاذ قاسم دور كبير في تطوير النشيد اليمني، ليس فقط بصوته وإبداعه، بل من خلال:
• صياغة أسلوب إنشادي حديث دون أن يفقد أصالته.
• تمثيل اليمن في العديد من المنتديات والمهرجانات الخارجية.
• التعريف بالإنشاد اليمني كفن له جذوره وأدواته وروحه الخاصة.
• تأسيس جيل جديد من المنشدين الذين تتلمذوا على يديه.

كما كانت له ميزة نادرة؛ إذ لم يكن يحضر حفل زفاف أو عزاء إلا وبرفقته مجموعة من الشباب، يمنحهم الميكروفون، ويفتح لهم المجال، ويشجعهم ويدفعهم إلى الأمام.

واليوم أصبح كثير منهم من كبار المنشدين في اليمن، ولا يزالون يذكرون فضله، ويدركون أنه لم يكن مجرد صوت، بل كان مدرسة متكاملة.

عقود مضت، وبقي الأستاذ قاسم كما عرفناه؛ شخصية هادئة، متواضعة، محبة للناس، مخلصة لفنها، متمسكة بأخلاق أهل اليمن.

قاسم زبيدة ليس مجرد رمز للإنشاد، بل صفحة مشرقة في سجل الفن اليمني، ومثال لما يمكن أن يصنعه الإبداع حين يقترن بالأخلاق والعمل الدؤوب.

خالص التعازي الحارة لأولاده، وجميع أفراد أسرته، وزملائه، وكل محبيه. سيبقى حاضرًا بفنه وإبداعه وأعماله الخالدة ومدرسته الرائدة.