الحوثي وتفخيخ عقول الأجيال بأفكار الحرس الثوري الإيراني
الخطر الحقيقي في المشروع الحوثي لا يكمن في سلاحه وحده، بل في فكره الهدّام الذي يسعى لإعادة تشكيل المجتمع اليمني من جذوره. إنه مشروع يقوم على الإقصاء، وترسيخ ثقافة الكراهية، وتقويض مفهوم الدولة الوطنية، ليقيم مكانها عقيدة مغلقة لا تعترف بالتعدد ولا تقبل بالآخر. وحين يُغرس هذا الفكر في عقول الأطفال، يتحوّل إلى أخطر سلاح طويل المدى، يعيد إنتاج الصراع عبر الأجيال، ويكرّس العداء المستمر.
ما يجري اليوم في مدارس المحافظات والمدن والقرى الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي في شمال اليمن ليس تعليمًا، بل عملية تعبئة أيديولوجية ممنهجة. فالطلاب يُحوَّلون من باحثين عن المعرفة إلى أدوات صراع، ومن عقول قابلة للبناء إلى منصات للتفجير الفكري. إنها جريمة منظمة تُرتكب بحق أجيال كاملة، تُربّى على العداء، ويُنتزع منها الانتماء الوطني لصالح مشاريع طائفية عابرة للحدود، ودخيلة على الهوية اليمنية.
المشهد واحد في كل مناطق الشمال؛ مناهج مشحونة بالتحريض، وطقوس تعبئة تُقدّس العنف، وخطاب يُنظّر للكراهية باسم “الولاية”. ما يحدث ليس عشوائيًا، بل جزء من هندسة فكرية متكاملة تعتمد على غسل الأدمغة، وربط الهوية بالولاء الطائفي، وإلغاء التنوع الذي عُرفت به اليمن عبر تاريخها. النتيجة: جيل مشوَّه الوعي، منزوع الانتماء، مُعدّ ليكون وقودًا دائمًا لحروب لا تنتهي.
والأخطر أن هذا الجيل المفخخ لا يُعدّ مجرد وقود لحروب داخلية، بل يُعاد تشكيله ليكون نسخةً مطابقة لتجارب مرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني؛ جيل يتم تربيته ليكون أداة ضمن مشروع توسعي يتجاوز حدود اليمن، ويُستخدم كذراع إضافية في معارك إقليمية تستهدف السعودية والإمارات وبقية دول الخليج ومنطقة البحر الأحمر. إنه جيل يُصاغ ليُعمّق الصراع، ويفتح أبوابًا جديدة لدوائر العنف وفق أجندات خارجية.
أمام هذا الخطر، يبرز السؤال الذي لا يحتمل التأجيل: أين الدولة؟ أين مجلس القيادة الرئاسي من تهديد مستقبل اليمن؟ وأين الحكومة الشرعية، المسؤولة دستوريًا عن حماية الهوية الوطنية وصيانة عقول الأجيال؟ الصمت هنا لا يُفسَّر إلا كتقصير جسيم أو عجز مقلق.
ولا يمكن فصل هذه القضية عن مسؤولية دول الجوار والإقليم. فهذا الفكر الذي يُزرع اليوم في مدارس شمال اليمن لن يبقى محصورًا داخل البلاد. إنه مشروع يُنتج أجيالًا مشبعة بثقافة التطرف والعداء، وقابلة للانفجار في أي لحظة، بما يهدد أمن المنطقة واستقرارها.
إن العبث بعقول الأطفال أخطر من العبث بالسلاح؛ فالسلاح يمكن مصادرته، أما الفكر إذا ترسّخ، فإنه يتحول إلى تهديد طويل الأمد يصعب تفكيكه. المعركة اليوم في اليمن ليست عسكرية فقط، بل هي معركة وعي وهوية، ومواجهة مشروع فكري يهدف إلى إعادة تشكيل الإنسان قبل الأرض. وإذا لم يتحرك الجميع لإيقاف هذا المشروع مبكرًا، فإن اليمن والمنطقة سيدفعان الثمن لعقود قادمة.