اليمن ليس ورقة تفاوض .. حين تتحول السيادة إلى رهينة في يد مليشيا الحوثي وطهران
في السياسة، قد تُفهم المصالح، وقد تُبرر المناورات، لكن ما لا يمكن قبوله أو السكوت عنه هو أن تتحول دولة بكاملها إلى مجرد بند تفاوضي على طاولة الآخرين. هذا بالضبط ما يحدث حين نسمع عن نقاشات بين إيران والولايات المتحدة تتناول الشأن اليمني، وكأن اليمن أرض بلا شعب، أو سيادة بلا صاحب.
السؤال هنا ليس دبلوماسياً بقدر ما هو وطني: من أعطى إيران حق التحدث باسم اليمن؟ ومن سمح لمليشيا الحوثي أن تختطف قرار دولة، وتحوّلها إلى أداة في مشروع إقليمي لا علاقة له بمصالح اليمنيين، ولا بتاريخهم، ولا بهويتهم؟
ما تقوم به مليشيا الحوثي الإرهابية لم يعد مجرد تمرد داخلي، بل تحول إلى جسر تعبر من خلاله طهران إلى عمق الجزيرة العربية. وهذا أخطر من مجرد نفوذ سياسي؛ إنه مساس مباشر بجوهر الدولة اليمنية، التي يُفترض أن تكون مستقلة القرار، لا تابعة ولا مرتهنة.
لقد دمرت هذه المليشيا فكرة الدولة من أساسها. لم تكتفِ بالانقلاب على المؤسسات، بل عملت على إعادة تشكيل المجتمع وفق منطق السلاح والولاء الخارجي. في ظلها، لم يعد المواطن مواطناً، بل مشروع تابع، يُقاس قربه أو بعده من مراكز النفوذ المرتبطة بإيران.
إن الحديث عن السيادة في ظل هذا الواقع يصبح أقرب إلى الترف النظري. كيف نتحدث عن سيادة، بينما القرار السياسي مختطف؟ وكيف نناقش الاستقلال، بينما السلاح والمال والتوجيه يأتي من خارج الحدود؟
والأخطر من ذلك أن هذا النفوذ لا يقتصر على السياسة، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي ذاته. فحين تُغذى جماعة مسلحة بأيديولوجيا عابرة للحدود، فإنها لا تحارب فقط خصومها، بل تعيد تشكيل الوعي العام، وتزرع انقسامات عميقة يصعب ترميمها لاحقاً. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في الرصاصة، بل في الفكرة التي تبرر إطلاقها.
اليمن، بتاريخها العريق، لم تكن يوماً ساحة تابعة. لكنها اليوم، بفعل مليشيا الحوثي، تُدفع إلى هذا الموقع القسري. وهذا ما يفرض على كل وطني يمني، بل وكل عربي، أن يطرح السؤال بصراحة: هل نقبل أن تتحول الدول إلى أدوات؟ وهل نسمح لمليشيات أن تقرر مصير شعوب بأكملها؟
إن استعادة اليمن لا تبدأ فقط بإيقاف الحرب، بل بإنهاء هذا الاختطاف السياسي. لا سيادة مع مليشيا، ولا دولة مع سلاح خارج إطارها، ولا مستقبل مع مشروع يستمد قوته من الخارج.
قد تختلف السياسات، وقد تتباين المصالح، لكن هناك حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: اليمن لليمنيين، لا لطهران، ولا لأي عاصمة أخرى. وأي حديث غير ذلك، هو استمرار في شرعنة الفوضى، وتكريس لانهيار الدولة.
وهنا، لا بد من الوضوح: مليشيا الحوثي ليست جزءاً من الحل، بل هي جوهر المشكلة. وما لم يُكسر هذا الارتباط العضوي بينها وبين المشروع الإيراني، فسيظل اليمن رهينة، وستظل سيادته سؤالاً معلقاً على طاولة الآخرين.