صراعات الداخل تُربك الشرعية وتمنح الحوثيين فرصة التمدد

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في الوقت الذي تتطلب فيه المرحلة الراهنة توحيد الجهود وتركيز الطاقات لمواجهة مليشيا الحوثي الانقلابية واستكمال تحرير ما تبقى من الأراضي اليمنية، تبدو الساحة الداخلية في مناطق الشرعية مثقلة بصراعات ومشكلات جانبية أرهقت القيادة السياسية وأشغلتها عن أولويات المعركة الوطنية.

يواجه مجلس القيادة الرئاسي سلسلة من الأزمات المصطنعة والمتراكمة في عدد من المحافظات المحررة، تتصدرها صراعات النفوذ والسيطرة، وحروب الأعلام والشعارات التي تشهدها بعض المحافظات الجنوبية، وما يرافقها من توترات سياسية وإعلامية تعمّق حالة الانقسام الداخلي وتبدد الجهود الوطنية.

كما تتفاقم في بعض المحافظات مظاهر الفساد الإداري ونهب الموارد والإيرادات العامة، الأمر الذي ينعكس سلباً على الخدمات الأساسية ويزيد من معاناة المواطنين، في وقت يفترض أن تُسخّر فيه تلك الموارد لدعم الجبهات وتعزيز صمود الدولة ومؤسساتها.

وفي جانب آخر، تتكرر أزمات قطع الطرقات واحتجاز مقطورات النفط والغاز في محيط محافظة مأرب، ما يؤدي إلى تعطيل وصول المشتقات إلى المحافظات المحررة، ويضاعف الأعباء الاقتصادية والمعيشية على المواطنين، ويخلق أزمات متلاحقة كان يمكن تفاديها بالحزم والانضباط.

ولا يقل خطورة عن ذلك تعثر جهود توحيد المؤسسة العسكرية، نتيجة مماطلة بعض الجهات في تقديم كشوفات القوات، خاصة في تعز ومأرب، وهو ما يعطل مسار إعادة هيكلة الجيش وتوحيد قراره، ويضعف الجبهة العسكرية في مواجهة مليشيا الحوثي.

وفي موازاة هذه التحديات، برز انحراف في مسار بعض الوسائل الإعلامية المحسوبة على أطراف داخل الشرعية، حيث اتجه خطابها نحو التشكيك والتخوين والتحريض بين المكونات الوطنية، بدلاً من تعزيز التماسك الداخلي ودعم معركة استعادة الدولة، الأمر الذي أسهم في خلخلة الجبهة الداخلية وإضعاف الروح الوطنية.

هذه المعضلات مجتمعة أسهمت في إشغال القيادة السياسية عن مهامها الأساسية المتمثلة في إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، كما أدت إلى تفاقم الأوضاع الأمنية والعسكرية والسياسية، وانعكست بشكل مباشر على الواقع الاقتصادي والمعيشي والإنساني للمواطنين.

وتبقى التساؤلات مطروحة بقوة حول أسباب استمرار هذه الصراعات الجانبية، ومن يقف وراء تغذية الانقسامات الداخلية وإشعال الفتن بين مكونات الشرعية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أعلى درجات التكاتف والوحدة.

كما يزداد القلق الشعبي من طول فترة التعامل مع هذه الاختلالات دون إجراءات حازمة، فاستمرار التهاون مع الممارسات التخريبية يمنح مليشيا الحوثي فرصة لاستغلال الانقسامات وتعزيز مكاسبها على الأرض.

إن المرحلة الحالية تتطلب موقفاً حازماً يعيد ضبط بوصلة العمل الوطني، ويضع حداً للفوضى والصراعات الداخلية، ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها الانضباط والوحدة وتغليب المصلحة الوطنية العليا.

فالمعركة الحقيقية ليست داخل معسكر الشرعية، بل في مواجهة المشروع الانقلابي، ولن يتحقق النصر إلا بتوحيد الصفوف، وتجفيف منابع الفتن، ومحاسبة كل من يعبث بأمن الدولة ويقوّض استقرارها ويعرقل مسار استعادة الوطن.