تعز .. مدينة تُذبح مرتين: مرة باسم الشرعية ومرة باسم الانقلاب الحوثي
ليست كل المدن التي تسقط تُهزم، لكن بعض المدن تُغتال ببطء، بدمٍ باردٍ وصمتٍ أثقل من الرصاص. وهكذا تبدو تعز اليوم؛ ليست مجرد مدينة تعاني حربًا، بل كيان يُستنزف من داخله، ويُسحب من تاريخه، ويُعاد تشكيله قسرًا على صورة لا تشبهه، صورةٍ مشوهةٍ لا تعترف بذاكرتها ولا تُشبه ملامحها الأولى.
تعز.. المدينة التي كانت يومًا عاصمةً للثقافة، ونافذةً للوعي، تحوّلت – ويا للمفارقة القاسية – إلى مسرحٍ مفتوحٍ للدم، ومختبرٍ للفوضى، ومخزنٍ للألم المؤجل، حيث تختلط صرخات الضحايا بضجيج البنادق، ويُدفن الحلم تحت ركام الشعارات.
ولأن المأساة لا تأتي منفردة، فإن تعز لا تُقصف فقط، بل تُدار بخللٍ عميق في البوصلة، في القرار، وفي تعريف من يملك السلاح ومن يملك الحق. وبذلك، تُذبح المدينة مرتين: مرة على يد ما يُحسب على الشرعية، ومرة أخرى على يد مليشيا الحوثي الإرهابية، وكلاء إيران، في مشهدٍ يعري الجميع ولا يُبرّئ أحدًا.
أما في الجانب الأول، فالصورة أكثر تعقيدًا وخطورة؛ إذ تُحكم قوى مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين قبضتها على القرار السياسي والعسكري، محوّلة مؤسسات الدولة إلى أدوات نفوذ لا أدوات حكم. هناك، لم يعد السلاح بيد الدولة، بل بيد جماعات تتحدث باسمها، ولم يعد الأمن وظيفة وطنية، بل امتيازًا يُمنح وفق مقاييس الولاء، في انقلابٍ صامت على فكرة الدولة ذاتها.
ومنذ أحداث 11 فبراير 2011 المشؤومة، دخلت تعز منعطفًا حادًا، لم يكن مجرد حراك سياسي عابر، بل بوابةً واسعة لكل التيارات المتشددة والمسلحة. يومها، رُفعت شعارات التغيير، لكن ما تلاها – وفق منتقدين – كان انزلاقًا مدويًا إلى نفقٍ طويل من الفوضى، حيث تدفقت الجماعات الجهادية، وتقاطعت الأجندات، واختلطت الشعارات بالبندقية، حتى لم يعد ممكناً التفريق بين الحلم والكارثة.
وعلى امتداد خمسة عشر عامًا، لم تتوقف تعز عن النزيف، وكأنها مدينة كُتب عليها أن تدفع ثمنًا لا ينتهي. الاغتيالات فيها لم تستثنِ أحدًا: ضباط، أئمة، صحفيون، ناشطون، وحتى شخصيات اجتماعية. الجميع كان هدفًا… باستثناء من يملك القوة. وفي مدينة كهذه، يصبح الموت خبرًا عاديًا، وتتحول النجاة إلى معجزة مؤقتة.
وفي قلب هذا المشهد المعتم، يُستدعى اسم الشهيد عدنان الحمادي، قائد اللواء 35، كرمزٍ صارخ لمرحلة كاملة؛ رجل قُتل في ظروفٍ غامضة، ليصبح اغتياله عنوانًا لعصرٍ تُغتال فيه الحقيقة قبل الإنسان، وتُؤجَّل فيه العدالة إلى أجلٍ غير مسمى، ويُقيَّد فيه الدم ضد مجهولٍ يعرفه الجميع ولا يجرؤ أحد على تسميته.
ولم يكن اغتياله حادثة عابرة، بل رسالة قاسية لا لبس فيها: لا مكان للأصوات المستقلة، ولا حياة لمن يحاول أن يقف خارج قوالب النفوذ.
غير أن المأساة، وبمرارتها المتصاعدة، لا تقف عند حدود الدم فقط. فتعز التي كانت تُغني بصوت أيوب طارش، وتبدع بريشة هاشم علي، وتكتب بقلم عبدالله عبدالوهاب نعمان، أُعيد تعريفها قسرًا. لم تعد مدينة الثقافة، بل مدينة الحواجز. لم تعد مدينة الدولة، بل مدينة الجماعات، حيث تُصادر الروح قبل أن تُصادر الأرض.
ومع اتساع الفراغ، ملأت البنادق ما تركه المثقفون. الكفاءات التي غادرت خَلّفت فراغًا هائلًا، سرعان ما امتلأ بأسماء برزت في سياق مختلف؛ أسماء يربطها كثيرون بحالة الانفلات، مثل حمود سعيد المخلافي وأشقائه، ماجد الأعرج، وصدام المقلوع، وسامي حسن، وخطاب الياسري، وغزوان المخلافي، وهمام مرعي، وعزام الفرحان، وحردون. وفي هذا التحول، يتجلى الانحدار: من مشروع دولة إلى شبكة مصالح، ومن سلطة قانون إلى سلطة نفوذ.
وعلى الضفة الأخرى، في الحوبان، لا يبدو المشهد أقل قتامة، بل ربما أكثر صلابة في قسوته. هناك، تفرض مليشيا الحوثي واقعًا قائمًا على القمع، والجبايات، والسيطرة بالقوة، في نسخة أخرى من المصادرة، تختلف في الشكل وتتطابق في الجوهر. مدينة واحدة، لكن بوجهين من المعاناة: وجه يرفع شعار الشرعية ويمارس الفوضى، ووجه يرفع شعار الانقلاب ويمارس القمع، والنتيجة واحدة: مدينة مكسورة تنزف بصمت.
وبين هذا وذاك، تتجلى الحقيقة الأكثر إيلامًا: تعز ليست ضحية جماعة واحدة، بل ضحية تعدد الجماعات. ليست رهينة طرف، بل رهينة توازنات مشوهة، حيث لا أحد يريد أن يخسر، حتى لو كانت الخسارة هي المدينة نفسها. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن تتحول تعز من قضية إلى هامش، ومن رمز إلى عبء يُراد التخلص منه.
ومع كل هذا السواد، لا تزال هناك جذوة لا تنطفئ. فما تبقى من تعز أكبر مما يُراد لها أن تكون. في ذاكرة أهلها، في تاريخها، وفي قدرتها العنيدة على النهوض، ما يكفي لإعادة تعريفها من جديد. غير أن ذلك لن يتحقق إلا إذا عادت الدولة، لا كشعارٍ يُرفع، بل كواقعٍ يُفرض، وإذا نُزع السلاح من السياسة، وعادت السياسة إلى معناها النبيل.
تعز ليست مدينة عابرة في جغرافيا الحرب، بل اختبار حقيقي لمعنى الدولة، ولمصداقية الجميع. وإن استمرار ذبحها، بصمتٍ أو بتواطؤ، ليس مجرد فشل سياسي، لكنه سقوط أخلاقي مدوٍ. فإما أن تُنقذ تعز بقرارٍ شجاع يعيد لها اعتبارها وكرامتها، أو تُترك لتُستنزف حتى آخر نبضة، وحينها لن يكون السؤال، من قتل تعز؟ ولكن من سمح بموتها وهو يرى ويسمع ويصمت؟
لأن المدن العظيمة لا تموت بسهولة، لكنها حين تُخذل، تموت واقفة، شاهدةً على خذلان الجميع.