سلام على الورق.. وواقع يكرر خيبات الماضي في اليمن

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في خضم الأزمات المتلاحقة التي تعيشها المنطقة، يتجدد سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: لماذا لا يتعلم العرب من دروس الماضي؟ ولماذا تتكرر الأخطاء ذاتها، رغم وضوح نتائجها وتكلفتها الباهظة؟

في الحالة اليمنية، يبرز هذا السؤال بحدة عند استحضار مسار الصراع مع جماعة الحوثي، منذ الحروب الست في صعدة وصولًا إلى سيطرتهم على صنعاء. فقد شهدت تلك المراحل سلسلة من الاتفاقات والتفاهمات التي كانت تُبرم في لحظات ضعف، لكنها سرعان ما تنهار مع تغيّر موازين القوة. هذا النمط المتكرر يطرح إشكالية عميقة حول جدوى الاتفاقات التي لا تستند إلى ضمانات حقيقية، ولا تُبنى على التزام واضح بقواعد الدولة ومؤسساتها.

لقد أظهرت التجارب السابقة أن أي تسوية لا تعالج جذور الأزمة، وفي مقدمتها مسألة السلاح خارج إطار الدولة، تبقى عرضة للانهيار. فالدولة، في مفهومها الحديث، تقوم على احتكار القوة وتنظيمها ضمن مؤسسات شرعية، وأي خروج عن هذا الإطار يفتح الباب أمام دوامة من الصراعات التي يصعب احتواؤها.

اتفاق السلم والشراكة، الذي جاء في لحظة مفصلية عند دخول صنعاء، كان يفترض أن يشكل فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي، لكنه لم يصمد طويلًا. سرعان ما تبددت الآمال، وعادت البلاد إلى مربع الصراع، ما عزز قناعة لدى كثيرين بأن الاتفاقات التي تُفرض تحت ضغط السلاح لا يمكن أن تصمد أمام اختبار الواقع.

غير أن المشكلة لا تكمن فقط في طرف واحد، بل أيضًا في طريقة إدارة الأزمات. فالتعامل مع التحديات بمنطق رد الفعل، أو القبول بتسويات مؤقتة دون رؤية استراتيجية شاملة، ساهم في إطالة أمد الصراع وتعقيداته. كما أن غياب آليات واضحة للمساءلة، وضعف الثقة بين الأطراف، جعلا من أي اتفاق عرضة للانهيار عند أول اختبار.

إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على الخوف أو موازين القوة المتقلبة، بل على التزام واضح بالقانون، واحترام حقوق المواطنين، وإرادة سياسية صادقة تسعى إلى إنهاء الصراع لا إدارته. كما أن أي عملية سلام لا تضع مصلحة اليمنيين فوق كل اعتبار، ستظل ناقصة وقابلة للانهيار.

اليوم، ومع تجدد الحديث عن فرص السلام، تبدو الحاجة ملحّة لاستخلاص العبر من الماضي. فالتاريخ، مهما كان قاسيًا، يقدّم دروسًا ثمينة لمن يريد أن يتعلم. أما تجاهل هذه الدروس، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصور مختلفة.

اليمن لا يحتاج إلى اتفاق جديد بقدر ما يحتاج إلى نهج جديد—نهج يقوم على بناء الثقة، وتعزيز مؤسسات الدولة، وضمان عدم تكرار أخطاء الماضي. فبدون ذلك، سيظل السلام هدفًا بعيد المنال، وستبقى المعاناة مستمرة، يدفع ثمنها المواطن البسيط قبل غيره مالم تحسم عسكريا.