كيف تم تهميش صوت الشعب؟
في هذا البلد، لا تنقصنا الخطب، ولا تغيب الشعارات، ولا يهدأ صخب المنابر. الجميع يتحدث باسم الشعب، يزايد عليه، ويدّعي تمثيله، ويقسم أنه الأقرب إلى معاناته. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا كان الكل يتحدث باسم الشعب، فمن الذي يسمع له فعلاً؟
صوت الشعب في أوطاننا صار متعبًا، مثقلاً بالخذلان، منهكًا من التكرار، ومكسورًا من كثرة التجاهل. يصرخ حين تجوع الأسر، حين يُهان المعلم، حين يُقصى المتعلم، حين يُقدَّم الولاء على الكفاءة، وحين تتحول الدولة إلى غنيمة. يصرخ، لكن صوته غالبًا ما يُبتلع بين صفقات السياسة، وضجيج الإعلام، ومصالح المتنفذين.
المشكلة لم تعد في غياب الصوت، بل في غياب من يريد أن يسمع. الأحزاب مشغولة بتثبيت نفوذها، والكل مشغول بإسقاط خصومه، وكل طرف يرفع شعار الشعب كوسيلة. يتحول الشعب إلى لافتة تُرفع عند الحاجة، ثم تُطوى عندما تبدأ الحسابات الحقيقية. وهنا تكمن المأساة: الشعب حاضر في الخطاب، غائب في القرار.
ومع مرور الوقت، يبدأ الصوت الشعبي في التحول: من صرخة عالية إلى همس، ومن همس إلى صمت. ليس لأنه اقتنع، بل لأنه سئم؛ سئم من الوعود التي لا تُنفذ، من المشاريع التي لا تكتمل، من القيادات التي لا تتغير، ومن الوجوه ذاتها التي تعيد إنتاج الفشل كل مرة بشكل مختلف.