شرعية تُستنزف… حين تتحول الدولة إلى غنيمة
في اليمن، لم تعد المشكلة محصورة في حرب تستهدف استعادة الدولة، بل في معركة موازية تدور داخلها. هناك، في قلب المؤسسات، نشأ واقع آخر؛ واقع تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، وتذوب فيه الحدود بين المصلحة العامة والمصالح الحزبية الضيقة، حتى غدت الدولة نفسها ساحة مفتوحة لإعادة التشكيل وفق ميزان الولاء لا الكفاءة.
ما جرى لم يكن صدفة. مع أولى لحظات الفراغ والارتباك، تسللت قوى منظمة لتملأ المساحات الشاغرة بسرعة لافتة، واضعة يدها على مفاصل الإدارة، من الوزارات إلى البعثات الخارجية. لم يعد الجهاز الحكومي يؤدي وظيفته الطبيعية، بل تحول تدريجياً إلى شبكة مترابطة تخدم مشروعاً سياسياً بعينه، فيما المواطن، المثقل بالحرب، بقي خارج الحسابات.
التحول الأخطر أصاب المؤسسة العسكرية. جيش يفترض به أن يكون مظلة وطنية جامعة، أُعيد تشكيله على أسس مختلفة، حيث تقدمت معايير الولاء على الخبرة، وتراجعت المهنية لصالح الحسابات الضيقة. النتيجة كانت واضحة: بنية مترهلة، وقيادة عاجزة عن الحسم، وموارد تُهدر في مسارات بعيدة عن المعركة الحقيقية. ظاهرة “الجنود الوهميين” ليست سوى عرض لمرض أعمق، حيث تتحول المخصصات العسكرية إلى مصدر تمويل موازٍ يغذي شبكات النفوذ.
وفي مناطق يفترض أنها تمثل نموذجاً للإدارة، تبدو الصورة أكثر وضوحاً. موارد ضخمة، خصوصاً في قطاعات الطاقة، تُدار خارج الأطر الرسمية، فيما تبقى الأزمات الإنسانية على حالها، إن لم تتفاقم. وفي مدن أخرى، تتجسد أشكال مختلفة من الاقتصاد الموازي، عبر جبايات ورسوم غير قانونية، تفرض على النشاط التجاري والحياة اليومية، لتصب في قنوات لا تخضع لأي رقابة حقيقية.
حتى العمل الإنساني لم ينجُ من هذا التشابك. المساعدات، التي يفترض أن تكون شريان حياة، تحولت في بعض الحالات إلى أداة نفوذ، تُستخدم لإعادة تشكيل الولاءات، أو كواجهة لتحركات مالية معقدة. وفي ظل هذا المشهد، يظهر التناقض الصارخ: ثروات تتضخم لدى قلة، مقابل اتساع دائرة الفقر والمعاناة.
الخارجية بدورها لم تكن بعيدة عن هذا التحول. مؤسسات يفترض أنها تمثل الدولة في العالم، أصبحت في كثير من الأحيان امتداداً للصراع الداخلي، حيث تغيب المعايير المهنية، وتحضر الحسابات الضيقة، ما ينعكس سلباً على صورة البلاد وقدرتها على إيصال صوتها الحقيقي.
المحصلة أن الدولة، في ظل هذا الواقع، لم تعد كياناً متماسكاً، بل ساحة تتنازعها قوى متعددة، بعضها يتعامل معها كفرصة لا كمسؤولية. وهذا ما يجعل الحديث عن بناء مؤسسات فاعلة أمراً صعباً دون مراجعة شاملة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ذاته.
اليمن اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في هذا المسار الذي يبدد موارده ويعمق أزماته، أو الشروع في إعادة ترتيب الداخل، عبر ضبط الموارد، وتفعيل الرقابة، وإعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية واضحة. دون ذلك، ستبقى الحرب مستمرة بأشكال مختلفة، حتى وإن تغيرت عناوينها.