في زمن التهدئة… من يصرّ على إشعال الحرائق؟
في الوقت الذي تنشغل فيه العواصم الكبرى، من واشنطن إلى بكين، مروراً بعواصم الإقليم، بمحاولات حثيثة لتبريد بؤر التوتر، وخفض منسوب الاحتقان الذي بلغ مستويات مقلقة، يبرز مشهد مغاير تماماً في زاوية أخرى من المنطقة؛ مشهد لا يعكس فقط سوء تقدير، بل يكشف عن طبيعة فاعل لا يعيش إلا في الفوضى، ولا يتنفس إلا عبر الأزمات وهنا، تقف مليشيا الحوثي نموذجاً صارخاً لهذه الحالة الشاذة.
فبينما تسعى الدول—حتى المتخاصمة منها—إلى تجنيب شعوبها كلفة الانفجارات السياسية والعسكرية، وإعادة ترتيب أولوياتها نحو الاستقرار الاقتصادي والأمني، تمضي هذه الجماعة في الاتجاه المعاكس تماماً؛ تدفع باليمن، المثقل أصلاً بجراحه، نحو قلب عاصفة لا ناقة له فيها ولا جمل.
ليست المسألة هنا مجرد موقف سياسي خاطئ، بل هي سلوك بنيوي مرتبط بطبيعة المليشيات. فهذه الكيانات، كما أثبتت تجارب عديدة، لا تزدهر إلا في البيئات المختلة، حيث يغيب النظام وتضعف الدولة وتتفكك المؤسسات. في مثل هذه الظروف فقط، تجد لنفسها موطئ قدم، بل وتتحول إلى لاعب يفرض حضوره بالقوة لا بالشرعية.ومن هنا، يصبح منطقها واضحاً—وإن كان مدمراً: كل تهدئة تهديد لوجودها، وكل استقرار بداية لنهايتها.
و لهذا لا يبدو مستغرباً أن تعادي هذه الجماعة أي مسار يفضي إلى خفض التصعيد، أو يعيد للدولة اليمنية شيئاً من توازنها. فهي، في نهاية المطاف، لا تنظر إلى اليمن كوطن، بل كمساحة نفوذ، ولا إلى شعبه كشعب، بل كغطاء اجتماعي تستخدمه حين تحتاج، وتتجاهله حين يتعارض مع مصالحها.
الأخطر من ذلك، أن الجماعة لا تكتفي بإدارة أزمتها الداخلية، بل تصر على ربط مصير اليمن بصراعات إقليمية أكبر منه بكثير، وتحديداً التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران. وهنا، يتحول اليمن من ساحة أزمة محلية إلى ورقة في لعبة دولية، تُستخدم فيها الجغرافيا والسيادة والمصالح الوطنية كأدوات تفاوض أو ضغط.
هذه المقامرة ليست بلا ثمن، بل إن كلفتها واضحة ومعلنة.
فالمؤشرات كلها تدل على أن اليمن قد يجد نفسه في مرمى استهداف مباشر، يدفع ثمنه ما تبقى من بنيته التحتية الهشة، واقتصاده المنهك، وشعبه الذي أنهكته الحروب. وليس ذلك سوى بداية سلسلة من التداعيات التي قد تمتد إلى شريان حيوي بالغ الحساسية: مضيق باب المندب.
هذا المضيق ليس مجرد ممر مائي استراتيجي للعالم، بل هو بالنسبة لليمنيين شريان حياة حقيقي. منه تمر إمدادات الغذاء والطاقة، وعبره تتنفس البلاد اقتصادياً. وأي تهديد له، سواء بالإغلاق أو بالتصعيد العسكري، لا يعني سوى تعميق المأساة الإنسانية، ودفع البلاد إلى حافة انهيار أشمل.
ومع ذلك، تمضي الجماعة في هذا المسار، غير عابئة بكل هذه الحقائق.
السبب بسيط، وإن كان صادماً: لأن بقاءها أهم من بقاء الدولة، واستمرارها أولوية تتقدم على استقرار المجتمع، وارتباطها بأجندات خارجية يفوق التزامها بأي مصلحة وطنية.
في النهاية، ليست المشكلة في أن العالم يعيش حالة توتر—فهذه سمة من سمات السياسة الدولية—بل في أن هناك من يختار طوعاً أن يكون وقوداً لهذا التوتر، حتى وإن احترق معه وطن بأكمله.
وهنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إلى متى يُترك اليمن رهينة لمن لا يرى فيه إلا ساحة صراع، لا وطناً يستحق الحياة؟