الحل في اليمن: عودة صوت الشعب ليحكم نفسه بنفسه

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في بلادٍ كان يُفترض أن يكون صوت الناس فيها أعلى من دويّ الرصاص، أصبح الصمت هو اللغة الرسمية، والهمس تهمة، والرأي مغامرة غير محسوبة. اليمن اليوم، وللمفارقة التي لا تضحك إلا من فرط المرارة، بلدٌ مليء بالبشر وفقيرٌ بالأصوات.

يقولون إن الشعب مصدر السلطات، لكن يبدو أن أحدهم قرر أن “يختصر الطريق” فصار مصدر السلطات هو من يملك السلطة أصلاً، أما الشعب فتمت إحالته إلى وظيفة ثانوية: التصفيق عند اللزوم، والصمت عند الضرورة، ودفع الثمن دائماً.

منذ فبراير 2012م، دخلت البلاد مرحلةً يمكن وصفها بـ”إعادة تعريف المواطن”. لم يعد المواطن ذاك الذي يختار ويحاسب ويعترض، بل ذاك الذي يُدار ويُوجّه ويُطلب منه أن يشكر من يديره. تحوّل الشعب، كما لو أنه كائن أعجمي لا يُفهم له قول، يمشي كالبسس في أزقة السياسة، يبحث عن فتات قرار أو ظلّ رأي.

ولأن الكوميديا السوداء قدر هذه المنطقة، صار الحديث عن الانتخابات أشبه بالحديث عن كائنٍ أسطوري: الجميع سمع به، وقليلون رأوه، ولا أحد يصدّق أنه قد يعود. صناديق الاقتراع، تلك التي كانت يوماً رمزاً لحق بسيط: أن تقول “نعم” أو “لا”، تم وضعها في متحف النوايا الحسنة، بجوار شعارات من نوع “الإصلاح قادم” و”المستقبل أفضل”.

المشكلة في اليمن ليست في تعقيدها، بل في بساطتها التي يتجاهلها الجميع: لا يمكن لبلد أن يستقيم حاله إذا كان شعبه خارج المعادلة. لا يمكن بناء دولة على قاعدة “نحن نعرف مصلحتكم أكثر منكم”، لأن التجارب أثبتت أن هذه الجملة غالباً ما تكون مقدمة لفوضى طويلة، ونتائج أقصر من عمر الوعود.

الحل ليس سحراً، ولا يحتاج إلى مؤتمرات تمتد لسنوات ولا إلى بيانات تُكتب بلغة لا يفهمها حتى من كتبها. الحل يبدأ من حيث بدأ الخطأ: إعادة الاعتبار لصوت الشعب. أن يعود المواطن إلى مكانه الطبيعي، لا كمتفرج في مسرح السياسة، بل كصاحب المسرح نفسه.

عودة صناديق الاقتراع ليست ترفاً ديمقراطياً، بل ضرورة وجودية. هي الوسيلة الوحيدة التي تتيح لليمني أن يقول كلمته دون وسيط، وأن يغيّر من لا يمثله دون أن يحمل سلاحاً أو ينتظر معجزة. هي ببساطة الطريقة الأقل كلفة لتصحيح المسار، مقارنةً بما نراه من كلفة الفوضى.

قد يقول قائل إن الظروف لا تسمح، وكأن الظروف كائن مستقل يقرر عنا. الحقيقة أن الظروف لا تتحسن بالصمت، ولا تتغير بإقصاء الناس، بل تزداد سوءاً كلما تم التعامل مع الشعب كأنه عبء، لا كونه الحل.

اليمن لا يحتاج إلى وصاية جديدة، ولا إلى إعادة تدوير الوجوه نفسها بخطابات مختلفة. يحتاج فقط إلى شيء يبدو بسيطاً لكنه غائب: أن يُسمح لليمنيين بأن يقرروا مصيرهم بأنفسهم.

عندها فقط، قد نكتشف أن الشعب الذي قيل عنه إنه “أعجم” يستطيع أن يتكلم، وأن “البسس” التي قيل إنها تمشي بلا رأي، قد تعرف طريقها أفضل من كثيرين يدّعون القيادة.

وفي النهاية، لا يُبنى وطنٌ بالصمت، ولا تُدار دولة بإسكات شعبها. الحل في اليمن سيبقى واضحاً، مهما حاول البعض تعقيده: أعيدوا الصوت لأصحابه، تعود الدولة لأهلها.