بداية صحوة
كيف يتحوّل الشك في الطعام والدواء إلى بداية ثورة وعي ضد تجار الخراب؟
في زمنٍ صار فيه المواطن العربي يشك حتى في البيضة التي يفطر بها، يظهر أشخاص مثل د. ضياء العوضي ليقلبوا الطاولة، لا على شركات الغذاء والدواء فقط، بل على طريقة تفكير الناس نفسها.
الرجل لم يقُد انقلابًا عسكريًا، ولم يخرج بدبابة، ولم يعلن “تحرير الأمة” عبر قناة فضائية تموّلها إعلانات زيت الطبخ والمشروبات الغازية.
كل ما فعله أنه جعل الناس تسأل:
ماذا نأكل.. ماذا نشرب؟.. ماذا نبتلع تحت اسم الدواء؟.. ومن المستفيد من تحويل الإنسان إلى مشروع مرض دائم؟
وهنا بدأت المشكلة الكبرى.
لأن أخطر ما يهدد منظومات الفساد ليس السلاح… بل الإنسان الذي يبدأ بالتفكير.
في عالمنا العربي، يمكنك أن تسبّ حكومة كاملة، وأن تدخل في حروب مذهبية وفكرية حتى الصباح، لكن أن تسأل عن جودة الغذاء أو حقيقة الأدوية أو أسباب انتشار الأمراض النفسية والجسدية، فهنا تصبح “مثيرًا للبلبلة”.
المفارقة الساخرة أن الناس تخاف من الحسد أكثر من خوفها من المواد الكيميائية في الطعام.
يعلّق خرزة زرقاء على باب البيت، ثم يطعم أطفاله وجبات لا يعرف حتى كيف صُنعت.
ثم يتساءلون: لماذا أصبح التعب مزمنًا؟.. ولماذا القلق والاكتئاب والغضب والانهيار النفسي ينتشر كالنار؟
لأن الإنسان العربي اليوم يعيش داخل مصنع ضخم لإنتاج الاستهلاك والخوف معًا.
تاجر الغذاء يريدك جائعًا دائمًا.
وتاجر الدواء يريدك مريضًا باستمرار.
والسياسي الفاسد يريدك خائفًا ومنقسمًا. والإعلام الفاسد يريدك مشتتًا بين فضيحة وهاشتاغ ومباراة كرة قدم.
والتعليم الفاسد يريدك حافظًا لا مفكرًا.
أما بعض المنابر الدينية الفاسدة، فهي لا تريد إنسانًا حرًا، بل تابعًا يصفق لمن يسرقه باسم السماء.
وهكذا يتحول المواطن إلى مشروع استنزاف متكامل: يعمل طوال حياته ليشتري طعامًا يمرضه، ثم يشتري دواءً يعالجه جزئيًا، ثم يدخل في دوامة علاج لا تنتهي، بينما الحكومات تعقد المؤتمرات عن “التنمية المستدامة” فوق شعوب بالكاد تستطيع شراء الخبز.
ووسط هذا الخراب، تأتي المفارقة الأعجب: الدجاج والبيض أصبحا أرخص من الإنسان نفسه.
نعم، أرخص من كرامته وصحته ووعيه.
ترى العروض التجارية تملأ الأسواق: “اشترِ دجاجتين وخذ الثالثة مجانًا”،
لكن لا أحد يسأل: كيف أصبح كل شيء رخيصًا إلى هذا الحد؟، هل لأن الرخاء عمّ البلاد؟ أم لأن جودة الحياة نفسها انهارت؟
لقد أصبح المواطن العربي أرخص مادة خام في المنطقة، يُستهلك سياسيًا، واقتصاديًا، ودينيًا، وإعلاميًا، ثم يُطلب منه أن يصفق للفاسدين لأنهم “حموا الوطن”.
أي وطن؟
وطن البطالة؟
وطن الطوابير؟
وطن المساعدات الإنسانية؟
وطن الخطابات التي تتحدث عن الصمود بينما المسؤول يعيش في فندق بخمس نجوم ويتحدث عن معاناة الشعب عبر مؤتمر ممول بالدولار؟
هنا تبدأ أهمية “ثورة الوعي”.
ليست ثورة تحمل بندقية وتضيف حربًا جديدة إلى المنطقة المنهكة أصلًا، بل ثورة تسأل: لماذا لا توجد مراكز بحث علمية حقيقية في جامعاتنا؟
لماذا يتحول الطالب المتفوق إلى عاطل؟ لماذا يُكافأ المنافق أكثر من الباحث؟ لماذا تُصرف المليارات على السلاح بينما المختبرات العلمية تعاني من انقطاع الكهرباء؟
في العالم المتقدم، الجامعات تصنع المستقبل.أما عندنا، فكثير من الجامعات ما زالت تصنع موظفين يحفظون ولا يفكرون، ويخافون من السؤال أكثر من خوفهم من الجهل نفسه.
نحتاج مراكز أبحاث غذائية ودوائية ونفسية واجتماعية واقتصادية وقضائية، يقودها علماء حقيقيون لا موظفون ينتظرون توقيع بدل السفر.
نحتاج أن يتحول السؤال إلى ثقافة عامة:
من يربح من مرضنا؟
من يربح من خوفنا؟
من يربح من انقسامنا؟
ومن يربح حين يبقى الشعب مستهلكًا صامتًا؟
الوعي الحقيقي يبدأ عندما يفهم الناس أن المقاطعة ليست فقط مقاطعة منتج أجنبي، بل مقاطعة منظومة الفساد كلها.
مقاطعة الدواء الفاسد.
مقاطعة التعليم الذي يقتل التفكير.
مقاطعة القضاء الذي يبيع العدالة بالنفوذ.
مقاطعة الإعلام الذي يلمّع الفاشلين.
مقاطعة السلطة التي تتغذى على انهيار المواطن.
ومقاطعة ثقافة الخوف التي تجعل الإنسان يقبل بالإهانة كأنها قدر مقدس.
ليس المطلوب أن نعيش ضد العالم أو ضد العلم أو ضد التكنولوجيا، بل أن نمتلك وعيًا يجعل الإنسان أهم من السوق، وأهم من الشعارات، وأهم من مصالح تجار الحروب والدين والسلاح.
لأن أخطر احتلال في التاريخ ليس احتلال الأرض فقط، بل احتلال عقل الإنسان حتى يصبح عاجزًا عن التفكير خارج ما يُلقَّن له.
وحين يبدأ الشعب بالشك في الطعام والدواء والإعلام والسياسة والخرافة والفساد…
فهذه ليست فوضى كما يدّعون.
هذه بداية صحوة. والصحوة دائمًا مرعبة للفاسدين. لأن الرصاصة قد تقتل إنسانًا…
لكن السؤال الحر قد يوقظ أمة كاملة.