فخاخ الرفض القاتلة..!

منذ 11 ساعة
مشاركة الخبر:

في أعماق النقاشات السياسية العربية المعاصرة، لا يزال مصطلح «الدولة المدنية» يمثل حجر عثرة ويثير موجات عاتية من الريبة لدى تيارات عريضة.
هذه التيارات ترى في المصطلح مرادفاً مستتراً لـ «العلمانية التصادمية» التي تهدف في مخيلتهم إلى تغييب الدين عن الحياة العامة وتهميش القيم الروحية.
لكن القراءة المتعمقة والباردة في تاريخنا السياسي، وفي المآلات الواقعية لهذا الرفض، تكشف لنا عن حقيقة مغايرة تماماً ومنطق يسير في اتجاه معاكس.
إن رفض مدنية الدولة لم يكن يوماً انتصاراً حقيقياً للدين أو صوناً لمقدساته، بل كان -سواء بوعي أو بدونه- تمهيداً لحرث الأرض وتسميد البيئة الخصبة لاستيطان دعاوى «الحق الإلهي» في الحكم.
تكمن المأساة في أن المناهضين لمدنية الدولة يقعون في فخ تاريخي مركب، يتكون من خطأين استراتيجيين كلفا الأمة قروناً من الاستبداد والدم.
الخطأ الأول هو الجهل بطبيعة الدولة المدنية وحصر وظيفتها في «فصل الدين»، بينما جوهرها الحقيقي والعميق هو تأسيس «دولة المواطنة».
الدولة المدنية هي الكيان القانوني والأخلاقي الذي ينتقل بالبشر من حالة الكيانات الاجتماعية المتناحرة، ومن الولاءات الضيقة للقبيلة والطائفة، إلى رحاب الهوية الجامعة حيث الجميع مواطنون متساوون.
في هذا النموذج، لا يمثل القانون غاية نهائية صماء، بل هو الوسيلة الحيوية لتنظيم «العيش المشترك» وضمان ألا تبتلع الأغلبيةُ الأقليةَ، أو تسيطر جماعة تدعي القداسة على مقدرات المجموع.
والتاريخ الإسلامي نفسه يخبرنا، إذا قرأناه بعيداً عن الروايات الرسمية، أن بذور «الشراكة المدنية» كانت نابضة في لحظات التأسيس الأولى.
ففي مشهد «سقيفة بني ساعدة» الشهير، لم يكن النقاش يدور حول نصوص مقدسة تأمر بحصر الحكم في سلالة معينة، بل كان صراعاً سياسياً بامتياز بين رؤى مختلفة لإدارة الدولة الناشئة.
لقد تمسك الأنصار يومها بمفهوم الشراكة والندية السياسية، وهي رؤية مدنية متقدمة كانت تسعى لمنع احتكار السلطة في فصيل واحد.
لكن هذه الرؤية المدنية الوليدة قُمعت في مهدها، ودفع ثمنها زعيم الخزرج «سعد بن عبادة» الذي رفض البيعة القسرية ووجد مقتولاً في ظروف غامضة، لتنطوي بوفاته صفحة الشراكة وتبدأ رحلة حصر الحكم في أطر عرقية وقبلية ضيقة.
إن الدولة المدنية، وخلافاً لكل المخاوف المسوقة، لا تضع نفسها في حالة اشتباك أو مواجهة مع الدين، بل هي الكيان الوحيد القادر على وضعه في مقامه الأسمى واللائق به.
إنها ترفض وبصرامة تحويل «المقدس» إلى سلعة في سوق التوظيف السياسي، أو تحويله إلى «أيديولوجيا قمعية» تستخدمها سلطة ما لإسكات الخصوم تحت مسمى «الخروج عن طاعة الله».
في النماذج التي تدعي أنها «دولة دينية»، نجد أن الدين يُحمّل قسراً أوزار الفساد البشري، وفشل الإدارة، وخطايا الحكام المتهورين.
وهنا تكمن الإهانة الحقيقية للدين؛ إذ تصبح الخطيئة السياسية التي يرتكبها بشر خطاء وصمة في جبين المعتقد الإلهي المنزه.
أما الدولة المدنية، فهي تحمي الدين عبر تنزيهه عن صغائر الصراعات على السلطة والمناصب، وتفسح المجال لتعاليمه لتبدو كـ «قوة إيمانية» وأخلاقية تلهم المجتمع.
إنها تفتح باب الاجتهاد وتحول الدين إلى طاقة إبداعية تتكيف مع متطلبات العصر، بدلاً من بقائه في صورة «نصوص جامدة» تُستدعى فقط لجلد الظهور وتعطيل العقول.
أما الخطأ الثاني، وهو الأشد مرارة وخطورة، فهو أن رفض المدنية فتح الأبواب الخلفية لعودة نظرية «الحق الإلهي» بكامل وحشيتها.
لقد تمحور الصراع التاريخي على الحكم لقرون طويلة

هذا الحصر التاريخي للحكم في نسب معين، ظل بمثابة الغطاء الذي يمنع قيام دولة المواطنة الحديثة في العقل الجمعي.
ومع غياب المفهوم المدني الواضح، وترسيخ فكرة أن الحكم "عطاء إلهي" مرتبط بالدم، نمت بقوة نزعات «الحق الإلهي» لدى فروع سلالية رأت نفسها الأحق بالإرث.
لقد مهد منهج رفض الدولة المدنية -بدوافعه التي كانت تبدو غيورة على الدين- الطريق لتكريس حكم السلالة، لأنه أعدم البديل الديمقراطي والمدني.
عندما نحرم المجتمع من حقه في اختيار حاكمه بناءً على الكفاءة والبرنامج السياسي، نحن ندفعه دفعاً للبحث عن شرعية بديلة، وغالباً ما تكون هذه الشرعية هي "التفويض الإلهي" المزعوم.
إن النتائج الكارثية لهذا المسار نراها اليوم في صراعات مدمرة تمزق نسيج الأمة، حيث يقتل الإنسان أخاه الإنسان دفاعاً عن "حق إلهي" لا وجود له إلا في أوهام المتسلطين.
لقد آن الأوان لندرك، بوعي كامل وشجاعة فكرية، أن الدولة المدنية ليست "مؤامرة غربية" أو عدواً للمؤمنين.
بل هي الضمانة الوحيدة، والدرع الحصين، الذي يمنع تحويل الشعوب إلى «رعايا» أو عبيد في إقطاعيات خاصة بطوائف أو سلالات تدعي وصلاً بالسماء.
إن المدنية هي الطريق الوحيد لتحرير الدين من أغلال السياسة، وتحرير السياسة من ادعاءات القداسة.
وهي المسار الحتمي لتحويل الحكم من «إرث جيني» أو "منحة غيبية" إلى «مسؤولية مدنية» وواجب وطني يخضع لرقابة الشعب وحسابه.
بدون الدولة المدنية، سنظل ندور في حلقة مفرغة من الاستبداد الذي يرتدي ثياب التقوى، وسنظل ننتج حروباً لا تنتهي باسم الرب، بينما الرب بريء من كل دم يسفك من أجل كرسي فانٍ.
إن بناء الدولة المدنية هو في جوهره فعل إيمان بالإنسان، وفعل تنزيه للخالق عن عبث الطامعين في السلطة.
وهو الحل الوحيد لاستعادة كرامة المواطن التي أهدرت لقرون تحت وطأة نظريات الاصطفاء السلالي.
فلنتوقف عن الخوف من المصطلحات، ولننظر إلى المآلات؛ فالواقع يصرخ أن البديل عن "مدنية الدولة" ليس "الحق الإلهي"، بل هو غابة من الصراعات الطائفية التي تقتات على جثث الأبرياء.
إن المسؤولية التاريخية تحتم علينا اليوم إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة كمرجعية عليا للحقوق والواجبات.
وهذا يتطلب شجاعة في نقد التراث السياسي الذي كرس التمييز بين البشر على أساس العرق أو المذهب.
إن الدولة المدنية هي المساحة التي يتصالح فيها الفرد مع معتقده دون خوف، ويتصالح فيها مع شريكه في الوطن دون ريبة.
وهي المختبر الذي تظهر فيه القيم الدينية كأخلاق عملية تسمو بالمعاملات، لا كعصا غليظة تشرعن الظلم.
ختاماً، إن الهروب من استحقاقات الدولة المدنية هو هروب إلى الهاوية، واختصار للطريق نحو عودة "الحق الإلهي" بصورته الأكثر بشاعة.
فلنختر المدنية لنحمي ديننا، ولنحمي إنساننا، ولنحمي مستقبل أجيالنا من فخاخ الرفض القاتلة.