إعلام الشرعية .. انهيار الصوت الرسمي وفضيحة الغياب الكامل
في ساحات الحروب، قد تخسر الجيوش معركة وتكسب أخرى، وقدى تتقدم خطوط النار وتتراجع، لكن أخطر ما يمكن أن تخسره الدولة ليس الأرض، بل صوتها. فحين يصمت الإعلام الرسمي، لا يحدث فراغ عابر، بل يُفتح باب واسع لخصوم الرواية كي يكتبوا التاريخ بطريقتهم. لأن الصمت في السياسة ليس حيادًا كما يُظن، بل هزيمة تتسلل بهدوء، وتُعلن نتائجها لاحقًا دون ضجيج.
ما نراه اليوم هو نموذج صارخ لدولة تحاول أن تستعيد نفسها بلا إعلام، كمن يخوض معركة بلا خطاب، أو يطلب اعترافًا بلا رواية، أو يقف في الميدان دون أن يُسمع للعالم صوته.
ومن هنا تبدأ جذور الأزمة، إذ إن المشكلة ليست في قلة الإمكانيات بقدر ما هي في غياب الفكرة الجامعة. فحتى هذه اللحظة، لا توجد صحف رسمية فاعلة تمثل الحكومة بمهنيّة حقيقية، ولا مؤسسات إعلامية قادرة على صياغة خطاب وطني جامع يتجاوز الانقسام. وهذا الفراغ الخطير لا يبقى فارغًا طويلًا، بل سرعان ما تملؤه روايات أخرى أكثر تنظيمًا، وأكثر حضورًا، وأكثر قدرة على التأثير، حتى وإن كانت مضادة للحقيقة في جوهرها.
وبالانتقال إلى البنية المؤسسية، نجد أن وزارة الإعلام في الحكومة الشرعية، التي يُفترض أن تكون العقل المفكر وغرفة العمليات الفكرية للدولة، تبدو غائبة عن المشهد أو شبه مشلولة. لا صحف تُقرأ كما يجب، ولا إذاعات تُسمع بفاعلية، ولا منصات رقمية حديثة تواكب سرعة العصر وتحولاته. حتى الصحف التاريخية التي كانت يومًا ما رموزًا وطنية مثل “الثورة” و“الجمهورية”، لم تُبعث من جديد، لا ورقيًا ولا إلكترونيًا، وكأن الذاكرة الوطنية تُترك عمدًا لتتآكل بصمت بارد ومؤلم.
وفي السياق ذاته، بدلًا من بناء منظومة إعلامية متكاملة تقوم على التخطيط والاستدامة، جرى اختزال الدور في نشاط فردي متناثر على وسائل التواصل الاجتماعي عبر تغريدات وهذا في جوهره ليس إعلام دولة، بل مجرد ردود فعل يومية متفرقة. فالإعلام الحقيقي لا يُصنع بالارتجال، بل يُبنى بالمؤسسات، بالسياسات، وبالرؤى بعيدة المدى، لا بالمنشورات العابرة التي تُستهلك في لحظتها ثم تختفي بلا أثر.
والأخطر من كل ذلك، أن الفساد الإداري قد تسلل إلى هذا القطاع الحيوي، فحوّل بعض مساراته إلى شبكات نفوذ بدل أن تكون مؤسسات إنتاج ووعي. فعندما تُقدَّم العلاقات على الكفاءات، وتُمنح المواقع لمن يجيدون التصفيق لا لمن يملكون الخبرة، فإن النتيجة تكون حتمية ومؤلمة وهي مؤسسات ضعيفة، وخطاب مرتبك، وفقدان متدرج للثقة العامة ،لأن الإعلام في جوهره ليس وظيفة علاقات عامة، لكنه مسؤولية وطنية تمس وعي الناس ومستقبل الدولة.
ومع استمرار هذا الاختلال، تم تهميش الكوادر المهنية في المؤسسات الاعلامية والصحفية الرسمية التي اختارت الوقوف مع الشرعية، والأبشع من ذلك حرمانها من حقوقها الأساسية، في مقابل صعود محسوبين غير متخصصين إلى مواقع القرار الإعلامي. وهذه ليست مجرد أخطاء إدارية عابرة، بل رسالة سلبية عميقة لكل محترف يفكر في الانضمام مفادها أن الكفاءة لم تعد معيارًا، وأن الولاء قد يُقدَّم على الخبرة، حتى لو كان الثمن انهيار المهنة نفسها.
ثم تأتي المفارقة الأكثر قسوة وإرباكًا، وهي استمرار عمل عدد كبير من موظفي بعض المؤسسات الإعلامية تحت سلطة الخصم، دون معالجة جادة أو إعادة هيكلة حقيقية. هذا الواقع لا يعكس فقط خللًا إداريًا، بل يكشف خللًا أعمق في فهم طبيعة الصراع نفسه، حيث تُترك الجبهة الإعلامية مفتوحة بلا إدارة، وكأنها ساحة بلا قيادة ولا اتجاه.
وبالتوازي مع ذلك، يتصاعد التسييس الحاد داخل الوزارة عبر إحلال عناصر محسوبة على تيارات بعينها محل الكفاءات المهنية التي كانت ومازالت تعمل في خدمة الوطن . وللأسف، هنا يتحول الإعلام تدريجيًا من منصة وطنية جامعة إلى أداة فئوية، ومن خطاب يفترض أنه يمثل الجميع إلى صوت منقسم يعكس اصطفافات ضيقة. لأنه حين يُختطف الإعلام، لا يُختطف جهاز فقط، بل تُختطف الحقيقة نفسها وتُعاد صياغتها وفق مزاج القوة لا منطق المهنة.
أما الغياب الأكبر والأكثر خطورة، فهو غياب الإعلام الخارجي القادر على نقل الرواية الوطنية إلى العالم ،ففي عالم اليوم الذي انقلبت فيه الموازين، لم يعد كافيًا أن تكون على حق، ولكن يجب أن تُقنع الآخرين بحقك أيضًا. ومع ذلك، لا حضور دولي مؤثر، ولا رواية متماسكة تُقدَّم للعالم، ولا تواصل احترافي مع الإعلام الخارجي. وكأن القضية تُترك عمدًا لتُروى من طرف واحد، بينما الطرف الآخر يمتلك المنصات واللغة والانتشار.
وبالتالي، فإن الدولة التي لا تملك إعلامًا فاعلًا، مؤكد انها لا تملك القدرة الكاملة على الدفاع عن نفسها، مهما امتلكت من شرعية أو قضايا عادلة، لأن.الإعلام الذي لا يقوم على مؤسسات راسخة، لا يصنع دولة اطلاقًا لكنه يتركها مكشوفة في مواجهة روايات الآخرين. ومن هنا، فإن المطلوب ليس إصلاحًا شكليًا أو ترقيعًا مؤقتًا، بل إعادة تعريف جذرية لدور الإعلام وتحويله من أداة هامشية إلى ركيزة سيادية، ومن وظيفة إدارية إلى قوة وعي ووجود.
المسألة لم تعد مجرد ضعف إعلامي يمكن تبريره، بل فشل صارخ ومزمن. قنوات باهتة، حضور شبه معدوم، وأداء لا يرتقي حتى إلى الحد الأدنى لمواجهة آلة الحوثي الدعائية التي تعمل ليل نهار. في معركة الوعي، الطرف الآخر يهاجم بخطط واضحة، بينما إعلام الشرعية غائب، مرتبك، وكأنه لا يدرك أنه في معركة أصلاً.
وعندما أُضيفت الثقافة إلى الإعلام، لم يتحسن شيء، بل ازداد المشهد هشاشة. أداء باهت، قرارات بلا أثر، وغياب تام لأي رؤية تُذكر. لم يكن النقد حينها مفاجئاً، بل كان نتيجة طبيعية لحالة عجز واضحة عن التصدي لمشروع ممنهج يستهدف العقول والهوية الوطنية.
الحوثي يبني سرديته ويعيد تشكيل الوعي بثقة، بينما وزارة إعلام الشرعية تكتفي بدور المتفرج، أو تصدر خطاباً متأخراً، تقليدياً، ومفصولاً عن الواقع. باختصار، فراغ تملؤه الخصوم، وعجز يُدار بلا مساءلة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأشد وضوحًا وقسوة وهي أن المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، لكنها ترتكز على الوعي. ومن يخسر الوعي، لا يخسر معركة واحدة، بل يخسر كل المعارك دفعة واحدة، حتى وإن بقي واقفًا على الأرض.