بين تزييف الذاكرة والواقع .. من يتحمل مسؤولية إجهاض الدولة وتمزيق اليمن؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في كل مناسبة، تعود بعض الأصوات النشاز لتقديم رواية أحادية عن فتنة 2011، تصفها بأنها ثورة لم تفشل بل “أُفشلت”، وتلقي باللائمة على أطراف بعينها، متجاهلة الحقائق الجوهرية التي تُظهر المسؤوليات الحقيقية عمّا آلت إليه البلاد من دمار و خراب وقتل و تشريد وتشظي.

الشهيد الزعيم علي عبد الله صالح كان حريصًا على اليمن واستقرار الدولة، وسعى طوال فترة حكمه إلى حماية مؤسساتها والحفاظ على وحدة الوطن، غير أن تحالف بعض القوى السياسية مع مليشيا الحوثي الإرهابية، وبالأخص حزب الإصلاح كذراع للإخوان المسلمين في اليمن، سهّل دخول المليشيا إلى العاصمة وفتح الطريق أمام انقلابها المسلح على الدولة، ما شكّل منعطفًا خطيرًا عرّض البلاد لمرحلة من الفوضى والعنف لم يسبق لها مثيل.

إن اختزال الأحداث بعد فبراير 2012م في نظرية “المؤامرة ” وحدها، أو تحميل طرف المسؤولية، هو تبسيط مُخلّ لا يعكس الواقع. فالدولة بعد  سعي تدمير المؤسسات في 2011 لم تُهدم بفعل خصومها ممن تسلموا نظام الحكم في فبراير 2012، بل نتيجة سوء ادارة و المحاصصة ممن تسلموا الدولة في 2012، ومنها ضعف إدارة المرحلة الانتقالية، والانقسامات الحادة بين القوى التي ادعت تمثيل مشروع التغيير، وتغليب الحسابات الحزبية على المصلحة الوطنية.

أما الحديث عن أن أهم إنجازات المرحلة الانتقالية كان “ترسيخ ثقافة اللاعنف” و”توسيع الحريات”، فهو وصف نظري لا يرقى إلى مستوى الاحتياجات الحقيقية للدولة. وقد عُرفت صاحبة هذه المقولات بتحريضها على مؤسسات الدولة ودعواتها لإسقاط النظام والدولة.

فالوطن كان بحاجة إلى مؤسسات قوية، وضمان حياد المؤسسة العسكرية، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية، لا إلى مجرد شعارات أو عبارات سياسية.

إن مؤتمر الحوار الوطني شكّل فرصة تاريخية، لكنه لم يُحصَّن بتوافقات حقيقية على الأرض، ولم تُستكمل مخرجاته بإجراءات تنفيذية راسخة، ما جعلها عرضة للانهيار أمام أول اختبار جدي.

وبالنسبة للاتهامات الموجهة إلى دول إقليمية بأنها لعبت “الدور الأخطر”، فإن الإنصاف يقتضي النظر إلى السياق الكامل. فقد جاءت التدخلات في ظل حرب فرضتها جماعة مسلحة انقلبت على مخرجات التوافق الوطني وسيطرت على العاصمة بالقوة. إن تجاهل هذه الحقيقة أو تحريفها يخدم سردية منحازة ويعمّق الانقسامات الداخلية.

اليمن لم يسقط بسبب طرف واحد، ولم يُجهض مساره بفعل جهة واحدة أو عامل منفرد، بل نتيجة تراكمات معقدة فرضتها قوى  فتنة 11 فبراير: صراع على السلطة، سوء إدارة المرحلة الانتقالية، تحالفات مُضرّة أضعفت الدولة، وانهيار المصداقية السياسية. وليس من المقبول أن يتحول النقد إلى انتقائية، بينما يعاني المواطن اليمني من نتائج أخطاء الجميع.

اليوم، يحتاج الوطن إلى مراجعة صادقة وشجاعة، وإلى اعتراف بأن المسؤولية مشتركة، وبأن حماية الدولة من التفكك مسؤولية جماعية للنخب قبل غيرها، عبر بناء مؤسسات فاعلة وضمان حقوق المواطنين.

فالشعوب لا تطلب بطولات خطابية، بل دولة مستقرة وقادة يتحملون نصيبهم من المسؤولية قبل أن يُلقوا بها على الآخرين.