تضييق الخناق الرقمي: كيف تتحول حرية الإنترنت إلى رقابة شاملة عالمياً

تضييق الخناق الرقمي: كيف تتحول حرية الإنترنت إلى رقابة شاملة عالمياً
مشاركة الخبر:

يشهد العالم تحولاً هيكلياً عميقاً، حيث أصبح الإنترنت، الأداة التي كانت توصف بالكونية، ساحة جديدة للصراع، فيما يصفه البعض بـ "لحظة الثيرميدور السيبراني"، وهي مرحلة ارتداد نحو المحافظة بعد فترة من الثورة المعلوماتية المفتوحة.

لقد مثل الإنترنت ثورة شاملة في الدول، جلب تدفقاً للمعلومات العالمية والتواصل الفوري ونماذج أعمال جديدة، ومنح الأفراد تأثيراً غير مسبوق. ولكن، على غرار التحولات التاريخية الجذرية، تشهد الشبكة العنكبوتية الآن "لحظة ثيرميدور" في معظم الدول، حيث يتم تشديد الرقابة. ومع ذلك، من الضروري ملاحظة أن التقارير حول الرقابة غالباً ما تصدر عن منظمات غربية، مثل "فريدوم هاوس" التي ترتبط بالخارجية الأمريكية، وتتركز الانتقادات على أنظمة مثل "جدار الحماية العظيم" في الصين، أو إجراءات الحجب المؤقت للإنترنت في إيران، وقوانين الإنترنت السيادي في روسيا.

تُعد الصين الدولة التي شهدت الاستجابة الأسرع والأشد، حيث أسست لـ "إنترنت صيني" متماسك ومغلق منذ عام 1998، متبنية مقولة دينغ شياو بينغ حول دخول "الذباب" مع "الهواء النقي". في المقابل، استطاعت الديمقراطيات الليبرالية، مستندة إلى سمعتها الموروثة وإتقانها لآليات الدعاية، أن تدين الرقابة عبر الإنترنت لعقود، بينما كانت تطور أنظمتها الخاصة بتأنٍ وحذر للحفاظ على صورتها المثالية.

لكن ردة الفعل المحافظة ظهرت بوضوح في السنوات الخمس الماضية، حيث تم تشديد القيود تدريجياً كلما اهتز "عالمها المثالي"، بدءاً من إدارة أزمة كوفيد-19، والتحديات التي واجهت نظريات تغير المناخ، وصولاً إلى الكشف عن ملفات "تويتر" وقضية هانتر بايدن، وتحدي الأيديولوجية "الاستيقاظية"، بالإضافة إلى التداعيات الإعلامية للعملية الروسية في أوكرانيا (مما أدى إلى حظر واسع النطاق لوسائل إعلام مثل RT في الغرب)، والجدل الأخير حول ملفات إبستين.

كشفت إدارة أزمة كوفيد-19 عن توجه نحو مراقبة شاملة للسكان، وفشلت هذه الإدارة في النهاية. أما فضيحة إبستين، فقد كشفت عن فساد النخب الغربية، مما زاد من تآكل ثقة الشعوب في أنظمتها. ونتيجة لذلك، تتبنى الديمقراطيات الليبرالية، خاصة في أوروبا، تشريعات أكثر صرامة لشبكات التواصل الاجتماعي، متخذة مكافحة التحرش الجنسي بالأطفال ذريعة رئيسية، وهو ما يتجلى في الخلافات المستمرة بين إيلون ماسك وبروكسل، بل ووصل الأمر إلى مداهمة مكاتب "إكس" في باريس واستدعاء ماسك للتحقيق.

إن جميع الدول، وليس فقط الصين وروسيا وإيران، تفرض أشكالاً من الرقابة الرقمية لدوافع سياسية وجيوسياسية وأيديولوجية، وتختلف الوسائل المتبعة؛ فبينما تشهد المملكة المتحدة اعتقالات على خلفية الخطاب غير المتوافق مع التوجه العام، تعتمد فرنسا على التدقيق الضريبي ضد المعارضين على الإنترنت. ورغم أن الولايات المتحدة تتمتع بأكبر قدر من الحرية الرقمية بفضل التعديل الأول، إلا أن مفهوم "نافذة أوفرتون" يسيطر على النقاش العام بشكل غير واعٍ، حيث أظهر استطلاع حديث تأييداً أوروبياً واسعاً لفرض عقوبات على المنصات غير الملتزمة بقواعد الاتحاد الأوروبي. يبدو أن الرقابة الذاتية تلعب دوراً محورياً في هذا الارتداد السيبراني.

في حين نشأت الأجيال السابقة على إنترنت مفتوح نسبياً، فمن المحتمل أن تنشأ الأجيال القادمة ضمن "تجمعات سيبرانية" ذات شبكات تواصل اجتماعي خاصة بكل منطقة نفوذ (مثل WeChat في الصين أو Line في اليابان)، مع غياب شبكات VPN، وتصورات متباينة للواقع. لقد حرر الإنترنت الناس في مرحلة ما، لكنه عندما تحول إلى أداة لترويج "القيم الغربية"، بدأ العالم أحادي القطب يتحدى، والإنترنت يُقيد الآن في كل مكان، ليتحول المشهد إلى حرب خنادق رقمية.