تعز بين 72 مليون دولار وفتحات الموت .. مشروع السيول الذي تُرك بلا صيانة

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

ليس في تعز ما هو أثمن من طفل، ولا ما هو أرخص من حياته حين تُترك مكشوفة للقدر.

مدينة أُعلن يوماً أنها حُصِّنت من السيول بمشروع كلف اثنين وسبعين مليون دولار في تسعينيات القرن الماضي، تقف اليوم أمام مفارقة موجعة: بنية تحتية في التقارير، وثقوب مفتوحة في الأرض، وضمير مفقود بين الاثنين. أرقام ضخمة كُتبت بالدولار، ثم انطفأت عند أول اختبار حقيقي للمطر.

لم يكن المشروع مشروع حماية بقدر ما كان وعداً طويلاً انتهى إلى حفرة.

سلطة الإخوان في تعز لم تكتفِ بالتقصير في صيانة ما أُنجز، بل تركته يشيخ أمام عيون الناس. لم تُغلق فتحة، ولم تُنظف مجرى، ولم تُصلح عبارة تحولت من شريان حياة إلى فخ مفتوح على الموت.

والمأساة ليست في سقوط طفل واحد، بل في تكرار المشهد ذاته. الفتحة نفسها، الحي نفسه، السيناريو ذاته. طفل يختفي، ماء يبتلع، ثم بيان رسمي يغلق الملف إلى إشعار آخر.

تقارير البنك الدولي كانت قد رسمت صورة مغايرة: قنوات تصريف، جسور مشاة، طرق معبدة، وانخفاض في الضحايا حتى “الصفر”. رقم يبدو مثالياً على الورق، أنيقاً في التقارير، صالحاً للعرض في قاعات الاجتماعات.

لكن الصفر، كما يبدو، كان هشّاً أكثر مما ينبغي. لم يصمد أمام الواقع، ولم ينجُ من أول موسم مطر جاد.

اليوم، الصفر لم يعد رقماً في تقرير، بل أصبح غياباً في حياة الأطفال.

في تعز، لا تحتاج السيول إلى قوة استثنائية كي تُحدث الكارثة. يكفيها إهمال مستمر، ومرافق بلا صيانة، وفتحات تُترك بلا أغطية، ثم تُترك بلا سؤال.

الغطاء الذي يضعه مواطن بجهده يُنزع لاحقاً. الفتحة التي يُفترض أن تُغلق تُترك لتبتلع من يمر فوقها. وكأن المدينة تعيش بين يدين: يد تحاول الترميم، ويد تترك كل شيء للانهيار.

القصة في جوهرها بسيطة ومؤلمة:
مواطن يحاول أن يُصلح ما استطاع،

وآخر يهدم أو يُهمل،

وسلطة تراقب المشهد من بعيد بلا فعل يُذكر.

السلطة تُتقن ما لا يكلّف شيئاً:

توجيهات، إدانات، وعبارات أسف جاهزة.

لغة رسمية خفيفة الوزن، لكنها ثقيلة حين تقع على قلوب الثكالى.

في أماكن أخرى، قد يسقط جسر فتسقط معه حكومة. أما في تعز، فيسقط أطفال في حفر مفتوحة، ثم يبقى كل شيء في مكانه كما هو.

المشكلة ليست في غياب التمويل،

ولا في غياب المشروع،

بل في المسافة بينهما: إدارة لا تُتابع، ومساءلة لا تحدث، وواقع يُدار بالتصريحات لا بالأعمال.

اثنان وسبعون مليون دولار لم تتبخر، لكنها أيضاً لم تُترجم إلى حماية حقيقية. بقيت عالقة بين الورق والميدان، بين ما قيل وما نُفذ، بين الدولة والناس.

تعز لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء موجع.

طفل يرحل هنا، وآخر هناك، وثقب يظل مفتوحاً، وذاكرة تُرهقها الإعادة.

فالسيول ليست الفاعل الوحيد.

الفاعل الحقيقي هو الإهمال حين يصبح نمطاً، والتجاهل حين يتحول إلى سياسة، والسلطة حين تكتفي بدور المشاهد.

وفي الخاتمة، لا يبدو أن المدينة تحتاج إلى مشاريع جديدة بقدر ما تحتاج إلى ما هو أبسط وأصعب في آن: أن تُغلق فتحة واحدة قبل أن تبتلع طفلاً جديداً.

أما المطر القادم، فلم يعد في تعز موسماً للخير… بل موعداً آخر مع الفقد.