27 أبريل .. حين كان صندوق الانتخابات يتكلم باسم اليمن
ليس كل يوم في الذاكرة اليمنية يُروى كحكاية، لكن 27 أبريل ليس تاريخا عاديا.. إنه اليوم الذي خرج فيه اليمنيون من دور المتفرج إلى موقع الفاعل، ومن هامش القرار إلى قلبه.
في هذا اليوم، لم تكن صناديق الاقتراع مجرد أدوات، بل كانت أصواتا حية تعبر عن إرادة شعب قرر أن يكتب مصيره بيده.
في 27 أبريل 1993، بدأت الحكاية بشكلها العملي. أكثر من 2.7 مليون يمني اصطفوا أمام صناديق الاقتراع، بينهم أكثر من نصف مليون امرأة، في مشهد لم يكن مألوفا في تاريخ البلاد. لم يكن الحدث مجرد انتخابات برلمانية، بل كان إعلانا صريحا بأن الوحدة التي تحققت في 1990 يمكن أن تترجم إلى شراكة سياسية حقيقية.
كانت تلك لحظة إعلان بأن الشعب ليس مجرد متفرج، بل صانع قرار. تلتها انتخابات أخرى، رئاسية ومحلية، عززت فكرة التداول السلمي للسلطة، ورسخت ثقافة الاحتكام إلى الإرادة الشعبية.
الأرقام يومها لم تكن جامدة؛ 3181 مرشحا، بينهم 41 امرأة، تنافسوا على 301 دائرة انتخابية. كان المشهد يعكس حيوية غير مسبوقة: أحزاب، مستقلون، رؤى مختلفة، وطموح مشترك للوصول إلى البرلمان عبر إرادة الناس، لا عبر فرض الواقع.
ثم جاء 27 أبريل 1997، كاختبار ثان. انخفض عدد المرشحين، لكن التجربة نضجت. أكثر من 2.8 مليون ناخب شاركوا، في تأكيد على أن الفكرة لم تكن عابرة. كانت الديمقراطية، رغم تعقيداتها، تجد طريقها إلى الوعي العام، وتتحول من شعار إلى ممارسة.
وفي 2003، بلغ المشهد ذروته من حيث الاتساع. أكثر من ثمانية ملايين مسجل في جداول الناخبين، ونمو ملحوظ في مشاركة النساء، التي تضاعفت تقريبا. هنا، لم تعد الديمقراطية مجرد تجربة ناشئة، بل أصبحت جزءا من الحياة السياسية، حتى وإن ظلت بحاجة إلى ترسيخ أعمق.
لكن الحكاية لم تكتمل كما خُطط لها. كانت 2009 على موعد مع محطة رابعة، لكنها تأجلت بطلب من أحزاب المعارضة التي رأت نفسها غير مستعدة لخوضها. ومع مرور الوقت، جاءت أحداث 2011 لتُوقف المسار بأكمله، وتدخل البلاد في منعطف مختلف، أنهى واحدة من أبرز مراحل الممارسة الديمقراطية.
لم يكن 27 أبريل معزولا عن بقية المشهد. فقد رافقته انتخابات رئاسية ومحلية، وتجارب متعددة في توسيع المشاركة السياسية. من أول انتخابات رئاسية مباشرة عام 1999، إلى انتخابات 2006، ثم المرحلة التوافقية في 2012، مرورا بانتخابات المجالس المحلية التي حاولت تقريب القرار من المواطن — كلها كانت فصولا في قصة واحدة: البحث عن دولة تُدار بإرادة شعبها.
ورغم أن هذه التجربة لم تصل إلى اكتمالها، إلا أنها تركت أثرا لا يُمحى. فقد عرفت اليمنيين على معنى الاختيار، وعلى قيمة الصوت الفردي، وعلى فكرة أن السلطة يمكن أن تُمنح عبر ورقة، لا تُنتزع بالقوة.
اليوم، يعود 27 أبريل كذكرى… لكنه ليس مجرد حنين. إنه تذكير بأن الديمقراطية ليست لحظة عابرة، بل مسار يحتاج إلى حماية واستمرار. وأن الشعوب التي جرّبت أن تختار، يصعب أن تنسى كيف يكون الاختيار.
ليست الديمقراطية في اليمن فكرة طارئة على الوعي السياسي، ولا مجرد شعار رُفع في لحظة عابرة، بل هي تجربة تشكلت عبر سنوات من التحولات، وتراكمت فيها الآمال بقدر ما تعثرت فيها الخطوات.
شكّلت الوحدة اليمنية عام 1990 نقطة الانطلاق الأهم، إذ فتحت الباب أمام نظام سياسي تعددي، وأُقر دستور منح المواطنين حقوقا سياسية واضحة، أبرزها حرية التعبير، وحق التنظيم، والمشاركة في اختيار من يحكم. لم يكن ذلك التحول سهلا، لكنه كان كافيا ليخلق بيئة سياسية مختلفة عما سبقها.
ومن أبرز مكتسبات تلك المرحلة، بروز التعددية الحزبية كواقع ملموس، حيث نشأت عشرات الأحزاب والتنظيمات، وتنافست فيما بينها عبر برامج ورؤى، لا عبر الإقصاء المباشر. كما شهدت البلاد انتخابات برلمانية ورئاسية ومحلية متتالية، مثلت في حينها خطوة متقدمة في محيط إقليمي محدود التجارب الديمقراطية.
إلى جانب ذلك، برز دور منظمات المجتمع المدني، والنقابات، والاتحادات الطلابية، التي أسهمت في توسيع مساحة المشاركة العامة، وخلقت نوعا من الرقابة المجتمعية على الأداء السياسي. كما ساعدت الصحافة في فتح نقاشات عامة حول قضايا الحكم والحقوق.
ومع دخول البلاد في أزمات متلاحقة، خاصة منذ عام 2011، تعرضت هذه التجربة لانتكاسة حادة. توقفت الانتخابات، وتراجعت مؤسسات الدولة، وتقلصت مساحة الحريات، ليحل محلها واقع معقد تتداخل فيه الصراعات السياسية والعسكرية، وتغيب فيه الآليات الديمقراطية الفاعلة.
اليوم، حين ينظر اليمنيون إلى الخلف، لا يستحضرون فقط أحداثا سياسية، بل يستحضرون شعورا… شعورا بأنهم كانوا أقرب إلى أن يكونوا شركاء في وطن، لا مجرد سكان فيه. الديمقراطية لم تكن مجرد نظام حكم، بل كانت لحظة إيمان بأن الإنسان يمكن أن يكون فاعلا في مصيره.