النازحون في الداخل .. حين يغدو الوطن للمهجَّرين "بطاقة نزوح" وفتاتَ مرتَّب! "مذبحة البدلات".. القانون المغدور في غرف المالية
"نحن نسأل عن وطنٍ بذلنا له أعمارنا، وعن حقوقٍ كفلها القانون وداسها الإهمال.. هل أصبح النزوح صكاً أبدياً للحرمان؟".. هكذا يتساءل الموظفون المحرومون من مرتباتهم الشهرية.
(من مرارات موظف نازح في أزقة عدن)
في وهج شمس عدن الحارقة، وعلى أرصفة مدينةٍ تفتح ذراعيها للمتعبين لكنها تضيق بفقرهم، تروي الوجوه الشاحبة قصة ألمٍ ممتد. هنا، آلاف الموظفين والتربويين والأكاديميين والإعلاميين الذين قذفت بهم الحرب من قراهم ومدنهم، ليتحولوا بين ليلة وضحاها من "بناة مجتمع" إلى أسماء مدرجة في قوائم "كشوفات النازحين".
لم تكن الهجرة اختياراً، بل كانت فراراً بالروح والكرامة. لكن الكرامة نفسها باتت اليوم تُذبح كل شهر على عتبات المكاتب الحكومية والمالية، حيث يُعامل الموظف النازح كـ"مواطن من الدرجة الثانية"، يُحرم من بدلاته، ويُلقى إليه بمرتبه الأساسي كـ"قطرات ماء شحيحة" تأتي بالقطّارة لتسد رمق الموت، لا لتكفي متطلبات الحياة.
هنا ننقل صرخة مخنوقة من أقبية العوز، ونرفعها مباشرة إلى طاولة "مجلس القيادة الرئاسي".
المرتبات "بالقطّارة".. معركة الخبز والكرامة
حين تلتقي بـ"أبو محمد"، وهو معلم أمضى ربع قرن في تنوير العقول، وقذفت به الحرب إلى أحد بيوت الإيجار في عدن، تجده يحمل حزمة من الأوراق الرسمية وكأنه يحمل خيباته. يقول والدمعة حائرة في عينيه:
"مرتّبنا لا يأتي إلا وقد تآكلت قيمته بفعل الغلاء وانهيار العملة، وفوق هذا كله ننتظره لشهور كمن ينتظر معجزة. ندخل في دوامة معاملات مهينة بين وزارة وأخرى، والمسؤولون يتعاملون معنا كأنهم يتصدقون علينا من أموالهم الخاصة، متناسين أن هذا الراتب حقٌ شرعي مقابل سنوات خدمتنا للبلد".
المشهد في عدن يتكرر مع كل نهاية شهر، أو بعد فترات أطول؛ طوابير طويلة أمام الكريمي أو شركات الصرافة، ووجوه يملؤها الانكسار لموظفين نازحين يبحثون عن فتات يعادل بضعة دولارات، لا يكفي لدفع إيجار شقة متهالكة أو شراء كيس من الدقيق، في ظل غياب تام لأي معالجات تنقذهم من مقصلة المؤجرين والديون المتراكمة.
"مذبحة البدلات".. القانون المغدور في غرف المالية
إن الجريمة الإدارية الأكبر التي تُمارس بحق الموظف النازح ليست فقط تأخير الراتب، بل سياسة "التجريد الممنهج" من الحقوق القانونية. فالقوانين واللوائح المنظمة للخدمة المدنية تنص على استحقاق الموظف لكافة البدلات، كبدل السكن وغلاء المعيشة والبدلات الفنية والعلاوات السنوية.
ومع ذلك، وبجرة قلم خلف مكاتب مكيفة، جُرّد النازحون من كل هذه الامتيازات:
حرمان من بدل غلاء المعيشة:
في وقتٍ تسجل فيه الأسعار في عدن أرقاماً قياسية، يُحرم النازح من الزيادات التي تُمنح لزملائه في الخدمة الفعلية.
تجميد التسويات والعلاوات:
يعيش الموظف النازح في "مستنقع إداري راكد"، فلا ترقيات تُحسب له، ولا علاوات دورية تُضاف إلى ملفه، وكأن عمره الوظيفي توقف لحظة نزوحه.
بدل السكن الغائب:
في مدينة تلتهم فيها الإيجارات بالعملة الصعبة، سواء بالريال السعودي أو الدولار، جُلّ الدخل، تُرك النازح ليواجه وحش الطرد من المنازل دون أي شبكة أمان أو إعانة سكنية من وزارته.
من جيوب المسؤولين أم من حق المواطنة؟
(رسالة إلى الرئاسة)
يا فخامة الرئيس، ويا أعضاء مجلس القيادة الرئاسي..
إن ما يحدث للموظفين النازحين في العاصمة المؤقتة عدن ليس عجزاً في الميزانية، بل عجزٌ في "الضمير الإداري والإنساني". إن المعاملة التي يتلقاها هؤلاء من بعض مسؤولي الوزارات والمالية توحي وكأن هذه الرواتب الزهيدة تخرج من حساباتهم الشخصية، أو كأنها "مكرمة" يتفضلون بها على رعاياهم.
إن هؤلاء النازحين هم نخبة البلاد؛ منهم الأطباء والمهندسون والأكاديميون والمعلمون والإعلاميون. لقد جاؤوا إلى عدن باعتبارها مظلة الشرعية وبيت الوطن الكبير، ولم يأتوا ليكونوا مادةً للتندر أو ضحايا للمماطلة والابتزاز الإداري.
الحق لا يموت بالتقادم:
الراتب والبدلات حقوق دستورية أصيلة كفلتها القوانين النافذة، وليست هبة من وزير أو منحة من مدير.
المساواة المواطنية:
إن التمييز في صرف المستحقات بين موظف وآخر بناءً على تصنيف "نازح" هو ضرب في صميم النسيج الاجتماعي والوطني، ويدفع بآلاف الأسر نحو حافة الرصيف والتشرد الفعلي.
خاتمة ومناشدة: أوقفوا هذه المهزلة!
إن إبقاء ملف الموظفين النازحين معلقاً بين لجان روتينية وعراقيل بيروقراطية متعمدة هو وصمة عار في جبين المؤسسة الحكومية. إننا، من خلال هذا المنبر، لا نطالب بـ"لفتة حنان"، بل نطالب بـ"قرار سيادي شجاع" يصدر عن الرئاسة يقضي بـ:
الانتظام الحتمي:
صرف مرتبات الموظفين النازحين نهاية كل شهر، أسوة بجميع القطاعات العسكرية والأمنية والمحلية، دون قيد أو شرط.
إعادة البدلات المسلوبة:
إطلاق كافة المستحقات من علاوات وبدلات طبيعة عمل وغلاء معيشة، وتسوية أوضاعهم بشكل كامل ومستدام.
محاسبة المعرقلين:
وقف التعسفات والاشتراطات التعجيزية التي تفرضها بعض الدوائر الحكومية لتأخير الصرف، وكأنها تمارس "العقاب الجماعي" بحق من فقدوا بيوتهم ومدنهم.
لقد صمت النازحون طويلاً تقديراً لظروف البلد، لكن الصمت اليوم غدا شريكاً في الجوع. فهل تجد هذه الصرخة آذاناً صاغية في قصر معاشيق، أم يظل النازح يقتات الوهم حتى إشعار آخر؟