في الذكرى الـ36 للوحدة اليمنية.. اليمنيون يستحضرون مشروع الدولة في مواجهة الانقسام والانقلاب

في الذكرى الـ36 للوحدة اليمنية.. اليمنيون يستحضرون مشروع الدولة في مواجهة الانقسام والانقلاب
مشاركة الخبر:

تظل الذكرى السادسة والثلاثون لإعلان قيام الجمهورية اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990 محطة وطنية فارقة في الوجدان اليمني، وحدثاً سياسياً وتاريخياً تجاوز حدوده المحلية ليحمل أبعاداً قومية وإنسانية عميقة، باعتباره المشروع الذي أنهى عقوداً من الانقسام والصراعات، ووحّد اليمنيين تحت راية دولة واحدة ونظام جمهوري قائم على التعددية السياسية والشراكة الوطنية.
وفي كل عام تعود هذه المناسبة لتفتح صفحات من التاريخ اليمني الحديث، مستحضرةً اللحظة التي التقت فيها الإرادة الوطنية بين قيادات الشطرين، وفي مقدمتهم الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح، والأمين العام الأسبق للحزب الاشتراكي اليمني الراحل علي سالم البيض، إلى جانب نخبة من الشخصيات الوطنية التي أدركت آنذاك أن استمرار التشطير لن يقود إلا إلى مزيد من الصراعات والانهيار، وأن الوحدة تمثل المخرج التاريخي لليمنيين جميعاً.
لقد مثّل إعلان الوحدة في مايو 1990 تحوّلاً استثنائياً في المنطقة العربية، ليس فقط لأنه جمع دولتين في كيان سياسي واحد بصورة سلمية، بل لأنه دشّن مرحلة جديدة قامت على أسس التعددية السياسية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وهي مبادئ رأت فيها قطاعات واسعة من اليمنيين امتداداً طبيعياً لأهداف الثورة اليمنية والنظام الجمهوري.
ويرى مراقبون أن مشروع الوحدة جاء في مرحلة كانت اليمن تعيش خلالها حالة من الإرهاق السياسي والاقتصادي والأمني، إذ شهدت العقود التي سبقت الوحدة سلسلة من الأزمات والصراعات المسلحة والاغتيالات السياسية، فضلاً عن التوترات الحدودية والانقسامات الأيديولوجية التي أنهكت المجتمع اليمني وأضعفت مؤسسات الدولة في الشطرين.
في تلك المرحلة، كان اليمنيون يتطلعون إلى مخرج يعيد الاستقرار ويؤسس لدولة قادرة على استيعاب الجميع. ولذلك شكّلت الوحدة بالنسبة للكثيرين مشروع أمل جمع أبناء اليمن شمالاً وجنوباً، وأنهى الحدود السياسية التي فرقت العائلات والمجتمع، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الانفتاح السياسي والاجتماعي.
تأتي ذكرى الوحدة هذا العام بينما يعيش اليمن واحدة من أكثر مراحله تعقيداً منذ عقود، في ظل استمرار الحرب والانقسام السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، إلى جانب سيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من البلاد، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لمكتسبات النظام الجمهوري وللهوية الوطنية الجامعة.
لقد اصبحت الصورة أكثر وضوحا منذ صعود مليشيا الحوثي كقوة انقلابية ذات طابع فكري وسلالي وفي صلب المشهد تبرز إشكالية الهاشمية السياسية التي مثلت عبر مراحل مختلفة من تاريخ اليمن أحد أبرز أدوات ترسيخ السلطة عبر منطق السلالة والنسب في مواجهة تطلعات اليمنيين لبناء دولة العدالة والمواطنة والمساواة على أسس النظام الجمهوري.
لقد سعت مليشيا الحوثي منذ انقلابها على الدولة إلى إعادة تشكيل النظام السياسي وفق رؤية مذهبية ضيقة تتعارض مع مبادئ الجمهورية والمواطنة المتساوية، الأمر الذي فاقم حالة الانقسام وأعاد البلاد إلى دوامة الصراع.
تنامي نفوذ مليشيا الحوثي، ،ساهم في تعقيد الأزمة اليمنية وتحويلها إلى ساحة صراع إقليمي، في وقت تتراجع فيه مؤسسات الدولة وتتسع فيه المعاناة الإنسانية، وسط تحذيرات من استمرار الحرب وانعكاساتها على مستقبل اليمن والمنطقة.
وفي خضم هذه التحديات، تتجدد الدعوات لاستلهام الروح الوطنية التي رافقت تحقيق الوحدة عام 1990، باعتبارها نموذجاً لإمكانية تجاوز الخلافات والانقسامات عبر الحوار والتوافق السياسي، بعيداً عن مشاريع التشظي والصراعات المناطقية والطائفية.
ويؤكد مهتمون بالشأن اليمني أن مواجهة الأزمة الحالية لا يمكن أن تتم من خلال مشاريع صغيرة أو هويات ضيقة، بل عبر مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ويؤسس لشراكة حقيقية بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، يعتبر أنصار الوحدة أن العودة إلى ما قبل مايو 1990 ليست حلاً للأزمة الراهنة، بل قد تفتح الباب أمام مزيد من التفكك والصراعات.
كما يذهب محللون إلى أن استعادة الدولة وإنهاء الحرب يتطلبان أولاً التوصل إلى تسوية تنهي الانقلاب وتعيد مؤسسات الدولة، ثم إطلاق حوار وطني شامل يناقش شكل النظام السياسي ومستقبل الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم، بما يضمن مشاركة عادلة لجميع القوى والمناطق.
ويرى هؤلاء أن أي مشروع سياسي مستقبلي يجب أن يستند إلى مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون، مع معالجة الملفات العالقة التي تراكمت خلال العقود الماضية، بما في ذلك القضايا المرتبطة بالتنمية والتمثيل السياسي والحقوق والحريات.
وفي المقابل، يؤكد ناشطون وسياسيون أن إحياء ذكرى الوحدة لا ينبغي أن يقتصر على الخطابات الرسمية والاحتفالات الرمزية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع عملي يعزز قيم التعايش والشراكة الوطنية، ويعيد بناء الثقة بين اليمنيين في مختلف المحافظات.
ويشدد هؤلاء على أن اللحظة الراهنة تتطلب خطاباً وطنياً مسؤولاً يبتعد عن التحريض والانقسام، ويركز على القواسم المشتركة التي تجمع اليمنيين، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.
وعلى الرغم من تعقيدات المشهد، لا تزال ذكرى الثاني والعشرين من مايو تمثل بالنسبة لكثير من اليمنيين رمزاً لفكرة الدولة الجامعة، وللقدرة على تجاوز الخلافات عندما تتوفر الإرادة السياسية والرؤية الوطنية. كما ينظر إليها باعتبارها دليلاً على أن الحوار يمكن أن يكون بديلاً عن الصراع، وأن التوافق الوطني يظل الطريق الأقرب لإنقاذ اليمن من أزماته المتلاحقة.
وفي المدن والقرى اليمنية، يستحضر المواطنون تلك اللحظة التاريخية التي أُعلن فيها قيام الجمهورية اليمنية من مدينة عدن، حين ارتفع علم الدولة الجديدة وسط آمال واسعة بمستقبل مختلف يسوده الاستقرار والتنمية والديمقراطية. وبرغم ما شهدته البلاد لاحقاً من انتكاسات، ما تزال تلك اللحظة حاضرة في الذاكرة الجمعية بوصفها أحد أبرز التحولات في تاريخ اليمن الحديث.
ويعتقد متابعون أن نجاح اليمنيين في تجاوز أزمتهم الحالية سيظل مرتبطاً بقدرتهم على استعادة مفهوم الدولة الجامعة، وبناء مشروع وطني يتسع للجميع، بعيداً عن منطق الغلبة والسلاح والانقسامات الضيقة. فاليمن، الذي استطاع ذات يوم أن يحقق وحدته رغم التحديات، ما يزال قادراً على إعادة بناء دولته إذا ما توفرت الإرادة الوطنية الصادقة.
وفي الذكرى السادسة والثلاثين للوحدة، تتقاطع مشاعر الحنين إلى لحظة الإنجاز التاريخي مع القلق من واقع الحرب والانقسام، لكن الرسالة التي يحرص كثير من اليمنيين على التأكيد عليها تبقى واحدة: أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يبنى إلا على أسس الشراكة الوطنية والدولة العادلة، وأن الحفاظ على الجمهورية ووحدة المجتمع يظل مسؤولية جماعية تتطلب تضحيات ومواقف تتجاوز الحسابات الضيقة.
وبين ذاكرة الماضي وتحديات الحاضر، يبقى الثاني والعشرون من مايو مناسبة يستعيد فيها اليمنيون سؤال الدولة والهوية والمصير المشترك، في وقت تبدو فيه الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لإحياء قيم الحوار والتوافق والعمل الوطني الجامع، باعتبارها السبيل الوحيد لإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار وبناء مستقبل يليق بتضحيات اليمنيين وآمالهم.